الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

ترامب.. اجتياح اليمين

شيوع الخطاب الشعبوي الذي يوظف الأزمات ويجعل منها أساسا يبني عليه شرعيته، ما هو إلا تعبير عن نهاية السياسة بما هي تدبير عقلاني للشأن العام.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/11/15، العدد: 10456، ص(9)]

في قوانين العلاقات الدولية الثقافية أن العرب ينظرون إلى أوروبا، وأوروبا تنظر إلى أميركا، بينما أميركا تنظر إلى نفسها. وكما أن هذه المعادلة تصلح في الثقافة كذلك تصلح في السياسة، وقد أصبحت هذه القاعدة منذ انتخاب الجمهوري دونالد ترامب ليكون الرئيس المقبل في البيت الأبيض صالحة أكثر بالنسبة إلى اليمين الأوروبي.

يعزز فوز ترامب مقولة نهاية السياسة، ذلك أن شيوع الخطاب الشعبوي الذي يوظف الأزمات ويجعل منها أساسا يبني عليه شرعيته، ما هو إلا تعبير عن نهاية السياسة بما هي تدبير عقلاني للشأن العام. فقد استعمل المرشح الجمهوري جميع الأوراق التي بين يديه لدغدغة مشاعر المواطن الأميركي البسيط، وعزف على أوتار النزعة الأميركية الضيقة، ووجد حلا سريعا لظاهرة الإرهاب هو إغلاق الأبواب في وجه المسلمين وطرد المهاجرين الأجانب. إذ في الوقت الذي ينكب فيه العالم على إيجاد حل مشترك لتهديد عالمي لا يستثني أحدا، اقترح ترامب حلا معاديا للجميع يرتكز على سياسة العزلة، وطالب ببناء جدار عازل مع المكسيك تموله هذه الأخيرة، وهدد بالخروج من حلف الأطلسي؛ والخلاصة هي أنه لوح بانقلاب شامل على صورة أميركا كما عرفها العالم.

من الصعب التكهن بخطة العمل التي سوف يسلكها دونالد ترامب خلال ولايته المقبلة، وما إن كان كل ما صرح به خلال حملته الانتخابية سوف يحوله إلى سلوك سياسي على أرض الواقع. فالمعروف أن المرشحين للانتخابات الأميركية يضعون برنامجا سياسيا موجها إلى الناخب للحصول على صوته، وهذا ما حصل مع باراك أوباما نفسه عام 2009 حين قدم الكثير من التعهدات، خصوصا في السياسة العالمية وفي ما يتعلق بمحاربة الإرهاب، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، إما بفعل التحولات العالمية التي تكون غير متوقعة، وإما بفعل ضغوط اللوبيات القوية في الداخل الأميركي، وإما بفعل طبيعة العلاقات الدولية التي تفرض نوعا من المرونة. ولكن الأمر مع ترامب يكاد يكون مختلفا، فهو قدم وجها يمينيا متشددا منذ البداية، وليست هناك نقطة في برنامجه الانتخابي لم تكن مقاربتها مغايرة للمعهود لدى جميع الذين تداولوا على السلطة في واشنطن، بدءا بقضية الهجرة، وليس انتهاء بملف محاربة الإرهاب.

الكثير من المتشائمين من فوز ترامب اعتبروا فوزه إيذانا بتحول جذري في السياسة الخارجية الأميركية سوف يلقي بظلاله على الأزمات الدولية الموجودة، والعلاقات الأميركية الأوروبية والعلاقة مع موسكو، التي سارعت إلى الترحيب به على لسان فلاديمير بوتين الذي يأمل في أن يحمل فوز ترامب تغييرا ملموسا في السياسة الأميركية تجاه روسيا. وتجد موسكو في موقف ترامب من حلف الأطلسي وتصريحه بعدم تدخل واشنطن في حالة أي هجوم من روسيا على البلدان المجاورة، بارقة أمل حيال إمكانية استعادة روسيا لمجدها القديم.

أكثر السيناريوهات كارثية، التي يمكن أن تترتب مستقبلا على فوز ترامب، اجتياح اليمين المتطرف في أوروبا. فهذا اليمين سوف يجد في شعبوية الرئيس الأميركي الجديد داعما لشرعيته ومواقفه المتطرفة، على أساس أن الدولة العظمى في العالم التي تعطي الدروس للآخرين قد مالت هي نفسها إلى اليمين، وأن النموذج لم يعد أوروبيا بل صار أميركيا؛ وقد عبّر خيرت فيلدرز، زعيم اليمين المتطرف في هولندا، عن ذلك حين خاطب دونالد ترامب قائلا “إن انتصاركم هو انتصار لنا”، كما أعلنت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا، أن “ما هو ممكن في أميركا ممكن في فرنسا أيضا”. ويعكس تبجح ترامب بجيناته الأوروبية الجيدة، خلال حملته الانتخابية، طموحه في أن يكون رائدا في سلك اليمين الأوروبي الذي يتأهب للإمساك بالسلطة خلال الانتخابات التي ستجرى في العام المقبل في عدد من البلدان، كفرنسا وإيطاليا وهولندا وألمانيا.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر