الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

على الهامش

الآن بينما يتم الحديث عن نهاية ما بعد الحداثة، ما زال العرب مجرد منفعلين بعد أن فشل مشروع التحديث لأسباب موضوعية ذاتية وخارجية، ثقافية وسياسية في آن واحد.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/11/15، العدد: 10456، ص(15)]

لا يبدو أن الغرب منذ بداية عصر الحداثة قد توقف عن دفن موتاه، في سياق التحولات المتعاقبة التي عاشها ويعيشها فكرا وثقافة وعلوما، فالحداثة التي أعلنت نهاية العصور الوسطى، وولادة زمن جديد، أرست أسسه فلسفة كانط وهيغل وماركس، لم تستطع أن تعمر طويلا في مواجهة التحديات الجديدة التي ولدت من داخلها، وعملت على نسف يقينها.

تحولت الحداثة إلى مرحلة فاصلة في سيرورة الزمن الكوني تؤرخ لما قبلها وما بعدها، نظرا للتحول النوعي الشامل الذي أحدثته على المستوى الاجتماعي تمثل في قيام المجتمع الرأسمالي وما تميز به من ديناميكية مفتوحة على التجديد والتحديث المتواصلين، إضافة إلى مجموعة القيم الجديدة التي تمثلت في العلمنة والعقلانية الصارمة والفردية والتفوق الثقافي.

ما بعد الحداثة التي قامت بقتل الأب هي الابن الشرعي للحداثة، في ظل التنامي المتسارع للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، التي ساهمت في خلخلة أنماط الحياة الاجتماعية المستقرة والأفكار السائدة، ما خلق حالة من القلق والاضطراب الاجتماعي، الأمر الذي جعل منها مشكلة جمالية وسياسية في آن واحد؛ كما يصفها العديد من علماء الاجتماع الغربيين.

لكن المفارق أن ما بعد الحداثة التي عملت على نقض مفهوم المركزية الأوروبية للنزعة الإنسانية في الحداثة الأوروبية، تميزت بكونها خطابا يقوم على التعدد والتنافر، فهي على الرغم من دعوتها للانفتاح على الآخر كانت في مضمونها استبدالا للمركزية الأوروبية بالمركزية الأميركية، التي أخذت تهيمن على العالم، وتعمل على نشر ثقافة الاستهلاك العابرة للحدود بما في ذلك الإنتاج الثقافي، ولذلك كانت ما بعد الحداثة هي التتويج السياسي والثقافي للعصر الأميركي.

في هذا السياق جاء الإعلان عن موت الأيديولوجيا، في إطار الجهد الذي بذلته ما بعد الحداثة لإفراغ الثقافة من السياسة، وفصل العلاقة فيما بينهما، إلى جانب تعزيز ثقافة الشك بالمعطيات الأساسية للعقلانية التي شكلت يقين الحداثة الغربية، وهو ما ظهر في جميع مجالات الثقافة والنظريات الاجتماعية والمعرفية والأدب والنقد، كما تجلى ذلك في الإعلان عن موت المؤلف وظهور نظرية الأدب التي ارتبطت بمجموعة من الفلاسفة، وانتشار موسيقى البوب لحركة الشباب، وسيادة عصر الإعلان والصورة مع التوسع الكبير للإنتاج السلعي.

والآن بينما يتم الحديث عن نهاية ما بعد الحداثة، ما زال العرب مجرد منفعلين بعد أن فشل مشروع التحديث لأسباب موضوعية ذاتية وخارجية، ثقافية وسياسية في آن واحد، جعلتهم يراكمون هزائمهم الحضارية، حتى أصبح الفوات التاريخي علامة على حالة النكوص التي نعيشها، في عالم سريع التبدل والتطور، ما ضاعف من حجم التحدي التاريخي الذي أصبحنا نواجهه.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر