الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

استبداد البنية

لا يمكن فهم الفرد وسلوكه دون الكشف عن البنية التي أنتجته، وغالباً ما تكون هذه البنية بنية لاشعورية قارة في أعماق الفرد.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/11/15، العدد: 10456، ص(14)]

دعوني من البنى الفيزيائية والبيولوجية التي لا تفكر ولا تحس؛ فهي منذ راح الإنسان يوظف الطبيعة الجامدة والطبيعة الحية لصالحه وخدمة حياته أصبحت موضعاً لتفكيره العلمي، بمعزل عن الأهداف الشريرة واللاأخلاقية في بعض الأحايين للعلم. والأسلحة الفتاكة المرتبطة بكشف البنى الطبيعية أكبر مثالاً على ذلك. أقول دعوني من هذه البنى لأنتقل إلى الأخطر وهي البنى الاجتماعية وما هي عليه من بنى أخلاقية ونفسية تطبع بها الفرد المنتمي إليها دون إرادة منه، والتحرر منها يحتاج إلى إرادة حديدية لا تصيب نجاحاً على الدوام.

البنية نظام من عناصر تخضع لقانون النسق ذات وظائف داخل النسق وذات ضبط داخلي وقابلة للتحول، وهذا تعريف جان بياجيه بتصرف. وإذا كان المجتمع بنية فإنه أيضاً مجموعة من البنى. فهناك البنية الطبقية-الطبقات، والبنية العرقية، والبنية العشائرية، والبنية الطائفية، والبنية المدينية، والبنية القروية، الخ. وهي كلها بنى موضوعية ليست من صناعة الأفراد، بل هي بنى تصنع الأفراد، وتطبعهم بطابعها.

وكل بنية من هذه البنى السابقة ذات عناصر نفسية وأخلاقية تفعل فعلها داخل البنية ذاتها وتنعكس سلوكاً على المختلف. لنقلْ الآن إن الفرد هو صناعة بنية، البنية بوصفها كلية. قول كهذا يسهل علينا فهم سلوك الفرد في حدود واسعة، ويبقى ما هو فردي جداً غير قابل للمعرفة إلا إذا اعترف الشخص به أو كشفه المحلل النفسي. فعلم نفس الجماعة بهذا المعنى يكشف لنا جزءًا كبيراً من البنية النفسية للفرد.

هذا بدوره يتطلب دراسة بنية الجماعة وتحولاتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها ومكانتها وأخلاقها السائدة. فتشابه البنية النفسية لأفراد محددين منتمين إلى بنية واحدة يفضي بِنَا إلى القول بصحة انعكاس البنية النفسية للجماعة فيهم، وقس على ذلك تشابه السلوك الأخلاقي لأفراد جماعة معينة. ولكن هذا لا يعني أن يصدق هذا القول بالضرورة على كل فرد من أفراد الجماعة الخاضعة للدرس والتأمل في بنيتها، مع بقاء الحكم الكلي صحيحاً.

فالعنف السياسي لا يُفسر سياسياً فقط وإنما هو عنف أخلاقي نفسي للجماعة العنفية، فليس كل عنف سياسي داخلي مثلاً يقود بالضرورة إلى حرب إبادة أو إلى جرائم غير متوقعة. يترتب على ما قلناه الإقرار بمدخل منهجي مهم لدراسة سلوك الأفراد بوصفهم خاضعين لاستبداد البنية؛ فلا يمكن فهم الفرد وسلوكه دون الكشف عن البنية التي أنتجته، وغالباً ما تكون هذه البنية بنية لاشعورية قارة في أعماق الفرد. مرة أخرى أقول إن من شأن استخدام هذا المدخل أن يحررنا من الذهول الذي نشعر به من سلوك الأفراد بوصفه سلوكاً غير متوقع.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر