الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الصحافة الأميركية في متاهة ترامب

وجدت الصحافة الأميركية نفسها أمام خيارين عند التعامل مع سلوك ترامب، فإما أن تثأر لكرامة النساء وإما أن تتصرف وكأن تعليقات الرئيس مجرد مزحة وتحرّشاته الموثّقة مجرد رد فعل غير مقصود.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/11/15، العدد: 10456، ص(18)]

فجأة يتحول بيت الرئاسة الأميركية إلى “بيت للرعب”، ذلك ما تخطّه البعض من الصحافة الأميركية عنوانا لها عشية فوز ترامب رئيسا، على وقع تظاهرات تعمّ المدن الأميركية حتى ساعة كتابة هذه السطور.

الصحافة الأميركية اليوم تجد نفسها في مأزق مماثل للمأزق الذي يشعر به الشعب الأميركي. صراع الشرعية وخيارات الأمة الأميركية في مقابل نمط جديد من الرئاسة أقرب إلى الفانتازيا والغرائبية، حين تكتسب ناطحات السحاب في نيويورك تسريحة الرئيس، وتمثال الحرية يفتح عينيه على وسعهما مرعوبا من قدوم رئيس جديد لم يتورع المتظاهرون عن وصفه بالفاشية.

الصحافة الأميركية في مأزق، والحلول المتاحة أمامها في التغطية والتحرير أحلاها مر، حتى الصحافة المساندة للرئيس الذي ينتفض ضده الناس لم تجد نفعا في اتهاماتها لفريق الديمقراطيين بأنهم يريدون إشاعة الفوضى وتدمير الحلم الأميركي، وبأنهم لا يتورعون عن إحراق العلم الأميركي.

تتناسى صحافة ترامب الملايين من الأميركيين المترددين الذين لم يصوتوا له ولا لخصمته هيلاري كلينتون، بالإضافة إلى الملايين من المهاجرين والمسلمين الخائفين والسود الساخطين من الاستبداد والعنصرية. إشكالية هذه الصحافة أنها تغمض عينيها عن مشكلات عميقة ومتجذرة في عمق الحياة الأميركية، بقيت دون حلول، فكانت النتيجة رئيس جديد يريد قيادة المجتمع الأميركي إلى متاهات جديدة لكنه في نفس الوقت ينادي بالمجد لأميركا، وهو ما يضع المجتمع أمام حائط مسدود.

الرئيس الفضائحي الثري والمليونير المتحرش بالنساء الذي لا يتردد عن استخدام لغة منفلتة وخارجة عن السياق، يشكّل مجتمعا معزولا قوامه بيض عنصريون يؤمنون بتسيّد عرقهم ونبذهم لمن عداهم، فهم وحدهم الأميركيون أما الباقون فدخلاء طارئون، وهنالك أيضا فئة أنصاف الجهلة وعشاق اقتناء السلاح والذين لا يرون في أميركا إلا أمة محاربة وهذه كلها صفات جعلت الصحافة الأميركية في موضع العاجز عن الدفاع عن أخلاقيات جديدة.

وجدت الصحافة الأميركية نفسها أمام خيارين عند التعامل مع سلوك ترامب، فإما أن تثأر لكرامة النساء وإما أن تتصرف وكأن تعليقات الرئيس مجرد مزحة وتحرّشاته الموثّقة مجرد رد فعل غير مقصود. أما عند التطرق إلى السياسات الخارجية وملفات الحروب والصراعات، فهي تبدو في وضع لا تحسد عليه. فمن جهة تريد أن تكون في الصدارة وسخونة عناوينها بدرجة سخونة الأحداث، ومن جهة أخرى تلبي مصالح الكارتلات الرأسمالية ومراكز القوى والنفوذ التي لترامب شأن كبير فيها.

صحافة بلا أب ولا رئيس تلك هي الخلاصة التي خرج بها أحد المحللين وهو يراجع ما فعلته زوبعة ترامب في صانعي القصص الصحافية وهم يتعرضون لهجوم ترامب، وتصل الأمور إلى نهايات ضبابية خارجة عن سياق كلاسيكيات الحكم الأميركية التي بنيت عليها كلاسيكيات الصحافة الأميركية، وتكاد اليوم تنفرط عقدتها تحت وقع عاصفة ترامب الهوجاء.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر