الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

المرأة السعودية تمزق الصورة النمطية

أثبتت المرأة السعودية في العديد من المناسبات، وللعالم بأسره أنها ليست ضعيفة أو مغلوبة على أمرها، كما يروج عنها الأصوليون الدينيون الذين يحاولون طمس هويتها، وتهميش دورها.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/11/18، العدد: 10459، ص(21)]

من لا يعرف النساء السعوديات عن كثب لا تحضر في ذهنه سوى تلك الصورة للمرأة المكسوة بالسواد من قِمَّة رأسها إلى أخمَص قدميها، إلا أن اللباس مهما طال أو قصر وغلا ثمنه أو بخس، لا يمكن أن يعكس الشخصية الحقيقية لمرتديه، ويعبر عن أفكاره ومشاعره وتطلعاته وإنجازاته.

قد تؤثر ألوان الملابس ونوعيتها وأسعارها على الطريقة التي نرى بها هوية الآخر، لأنها تبعث بإشارات عديدة حول شخصيته وحالته النفسية ووضعيته الاجتماعية، إنها حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، ولكن مختلف تلك الإشارات ليست سوى مرآة ضبابية، ولا يمكن أن تعكس ما خلف واجهة اللباس. ولذلك، فالمرأة السعودية ليست مجرد عباءة سوداء أو قادمة من كوكب الزهرة، إنها كتلة من الأفكار المتوقدة ويحدوها طموح متوقد للتغيير، ولديها من المؤهلات والذكاء ما يجعلها قادرة على التفكير العقلاني واتخاذ القرارات الصائبة، التي تخدم المصلحة العامة في بلدها، وتلهم مجتمعات بأكملها.

والانطباع الذي يرسمه الكثيرون عن المرأة السعودية بسبب حجابها مضلل وخادع بدرجة كبيرة، ولا يمكن أن يكون تعلة لعزلها أو التقليل من شأنها، وتصنيفها ضمن الدرجة الثانية في بلدها، الذي لها النصف فيه، وهي قادرة على العمل بنفس القوة والقدرات التي يمتلكها الرجال، وربما أفضل. وقد أثبتت المرأة السعودية في العديد من المناسبات، وللعالم بأسره أنها ليست ضعيفة أو مغلوبة على أمرها، كما يروج عنها الأصوليون الدينيون الذين يحاولون طمس هويتها، وتهميش دورها لما يتماشى وتوجهاتهم وقناعاتهم.

صحيح أنها مازالت محرومة من الكثير من الحقوق بالمقارنة مع بنات جنسها في منطقة الشرق الأوسط، ومن بينها على سبيل المثال أنها ممنوعة من قيادة السيارة حتى الآن، كما أنها لا تستطيع السفر من دون محرم أو استخراج وثيقة، إلا أنها حققت العديد من النجاحات في عالم الأعمال والتجارة والهندسة والطب، وفي العديد من المجالات التي كانت في السابق حكرا على الرجال. وقد غيرت النظرة النمطية عنها ورسمت صورة أكثر إشراقا تدعو رجال المملكة إلى الفخر والاعتزاز وعدم جعل المجتمع سجنا للنساء يديره الرجال، لقد أصبحت تحكي عن نفسها ولا يُحكى عنها في المؤتمرات والندوات المحلية والدولية، وفي مختلف منابر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

وقد تجاوز اليوم عدد الفتيات في الجامعات السعودية عدد الفتيان، وكلهن يتطلعن إلى الارتقاء مهنيا واجتماعيا، كما ارتفع عدد طالبات الشغل والعاملات عن أي وقت مضى، وتقلدت الكثيرات مناصب سياسية عليا، إذ تشغل النساء حوالي 30 مقعدا في مجلس الشورى. كما مثل فوز عشرين امرأة سعودية بمقاعد في الانتخابات البلدية في عموم البلاد انتصارا تاريخيا للمرأة، بعد أن أقر مجلس الشورى بأحقية النساء في الترشح، وبعد أن أقر سابقا بحقهن في التصويت.

ولكن أحد الفروق المهمة التي مازالت موجودة بين نساء السعودية ورجالها، وتعيقهن عن التقدم، هو الإحجام عن الإعلان عن إنجازاتهن بسبب الضغوط التي مازال يمارسها التيار الديني المحافظ، الذي يرى أن مشاركة المرأة في الحياة العامة تتعارض وتوجهات المدرسة الفقهية التي ينتمي إليها. وبما أن الحال كذلك، فإن هناك العديد من النساء السعوديات الناجحات غير معروفات، وعاجزات عن استثمار إمكاناتهن كاملة في المساهمة في تحقيق الرخاء لأسرهن والازدهار لمجتمعهن، جراء سياسات الحظر والقيود الاجتماعية التي مازالت تمارس ضدهن.

وأعتقد أن الدول مهما امتلكت من ثروات طبيعية، لا يمكن أن تحقق نهضتها وتقدمها ونصفها الثاني معطل، ولذلك فإن الاستثمار في الاقتصاد القوي والمجتمع المستقر، يتطلب من أصحاب القرار في المملكة السعودية الجرأة والشجاعة في التعاطي مع قضايا المرأة. وقد أعطى ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود إشارات لا تخطئ على أنه واضع حقوق المرأة نصب عينيه، ولا أحد بإمكانه مجادلة ذلك، وعندها ستتجلى النهضة الملكية الحقيقية.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر