الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الحلم الكردي وسط البركان

لعل واقع ما بعد داعش سيفرز أوضاعا سياسية محلية وإقليمية في غاية التعقيد، لا يتوقع أن يكون الأكراد على رأس الكاسبين، لأن الكبار لم يغيروا من نظرتهم إليهم.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/11/22، العدد: 10463، ص(8)]

لعل أكبر مشكلة تاريخية واجهتها الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 هي المشكلة الكردية، وهي مشكلة سياسية أكثر منها مشكلة حقوق قومية، وأكراد العراق هم أكثر ترابطاً بالتطورات السياسية المحلية والإقليمية من أبناء قومهم الآخرين في كل من تركيا وإيران، إضافة إلى أكراد سوريا.

كان التركيز الدولي وما زال على أكراد العراق لاستخدامهم كورقة لتنفيذ المصالح، فزعيمهم التاريخي مصطفى البارزاني كان له الدور الرائد في تأسيس جمهورية مهباد الكردستانية عام 1946 والتي قمعها شاه إيران. وقبل ذلك التاريخ يقول الأكراد إنهم تعرضوا للخيانة التاريخية في معاهدة سايكس بيكو التي لم تمنحهم حقهم التاريخي بقيام دولتهم. ورغم أن النظام العراقي قد منحهم الحقوق القومية بالحكم الذاتي عام 1972 وكان في حينه مكسبا صرحوا أكثر من مرة بأنهم لا يطلبون أكثر منه، لكنهم وبسبب علاقات قياداتهم الحميمة بالمشاريع الدولية ومصالحها في العراق والمنطقة انتفضوا ضد النظام واستمروا بعملياتهم العسكرية التي تعطلت بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 بين بغداد وطهران.

وتطورت الأحداث السياسية حين أصبح الملف العراقي بيد الأميركان بعد عام 1991 الذين استخدموا الأكراد كأبرز قوة معارضة عراقية لإسقاط نظام بغداد، رغم ذلك لم تنقطع صلات قيادتهم بصدام حسين، بل إن مسعود البارزاني طلب نجدته خلال حربه ضد حزب الاتحاد الوطني بقيادة جلال الطالباني ودخلت دبابات الجيش العراقي أربيل عام 1996 وحماه من اجتياح رفاق دربه. وأصبحت قيادة كردستان بزعامة مسعود البارزاني هي القاعدة السياسية الأولى التي اعتمدها الأميركان في إنجاح اجتياحهم للعراق، رغم اتفاقهم مع إيران على تنفيذ هذا المشروع التدميري، وصنعوا اتفاقا استراتيجيا (كرديا شيعيا) لإدارة حكم العراق بعد عام 2003، ولهذا السبب يشعر الأكراد بفضلهم على السياسيين الشيعة بالوصول إلى الحكم، ولا يجدون في مكاسبهم التي حصلوا عليها “منّة” يقدمها لهم التحالف الشيعي.

لكن السياسة والمصالح لا تعترفان بالصداقات الدائمة، ويعتقد قادة الحكم في بغداد بأن استحواذ الأكراد على الثروات وتحطيم جغرافية العراق لا يمكن قبولهما، ولهذا أخذت المشكلات تتصاعد في ظل دستور وضعه “التحالف الكردي الشيعي” على مقاس مصالحه بإشراف أميركي كان غامضا في تحديد ملامح حدود “إقليم كردستان” . ولعل السبب الجوهري لأزمة الأكراد مع بغداد يعود إلى النظام السياسي القائم على التقسيم الطائفي العرقي للعراق، فلم تتوفر عناصر الثقة بين القيادات السياسية “الكردية والشيعية والسنية”، كان نصيب الساسة السنة الذين ادعوا تمثيلهم لطائفتهم هو التبعية بمكاسب شخصية لأشخاص وللحزب الإسلامي الذي تصدر المشهد الطائفي.

البارزاني يعتقد بأن علاقاته بالأميركان ستساعده على تحقيق أحلامه في قيام الدولة الكردية، حيث ينشط لوبي أميركي قوي داعم لهذا الحلم

ومع ذلك تصاعدت المشكلات بين إقليم كردستان والمركز حول موارد العائدات النفطية، وتعثر تنفيذ الاتفاق النفطي الذي رعته الولايات المتحدة إلى درجة قطع بغداد لحصة الأكراد في ميزانية الحكومة (17 بالمئة) في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد واجهها إقليم كردستان. وجاء احتلال “داعش” لثلث أرض العراق وسط حملة دعائية من قبل غالبية الأحزاب “الشيعية” اتهمت البارزاني بتسهيل دخول هذا التنظيم الإرهابي إلى العراق، إلا أن وقائع الحرب كشفت أن هذا التنظيم الإرهابي ليست لديه تحالفات إلا لأهدافه، فحاول اجتياح أربيل بعد أن احتل أجزاء واسعة من كركوك. واضطر البارزاني إلى زيارة بغداد والاتفاق المرحلي مع حيدر العبادي الذي احتاجه في المعركة ضد داعش وسط عدم رضا من مسؤولي الأحزاب “الشيعية” وفي مقدمتهم نوري المالكي الذي ذهب إلى عقد اتفاقات مع “الاتحاد الوطني” في السليمانية، فضلا عن الشكوك السابقة التي أثارتها حكومة بغداد بشأن مشاركة البيشمركة في معارك تحرير الموصل، واشتراطها أن تلتزم القيادة الكردية بتسليم المناطق المحررة من الموصل إلى الحكومة المركزية العراقية وسط إصرار من مسعود بأنه قد “رسم حدود الدم”.

يعتقد البارزاني بأن علاقاته بالأميركان ستساعده على تحقيق أحلامه في قيام الدولة الكردية، حيث ينشط لوبي أميركي قوي داعم لهذا الحلم. وسبق أن عُرض داخل الكونغرس عام 2005، تقرير أعده مركز للدراسات في واشنطن يقول: إن أميركا يمكن أن “تشجع قيام دولة مستقلة للأكراد في العراق تمهيدا لقيام كردستان الكبرى”، ويمضي التقرير في سرد “التحولات الإستراتيجية التي ستتحقق في المنطقة في حال تشجيع واشنطن قيام دولة كردستان في العراق، ومنها ضمان وجود دولة صديقة وحليفة للولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، وتطوير واستثمار مشاعر الملايين من الأكراد، المتعاطفين مع الولايات المتحدة في منطقة إستراتيجية، لا سيما أن الولايات المتحدة تواجه خزينا من الكراهية المتنامية عند الشعوب العربية”. ويمضي التقرير إلى أن تشكيل الدولة الكردية المقترحة التي ستتوسع مستقبلا لتضم مناطق الأكراد في إيران وتركيا وسوريا يهدف إلى “إيجاد حليف إستراتيجي لدولة إسرائيل يمكن أن يشكل لها عمقا سياسيا وعسكريا واقتصاديا وسوقا لبضائعها، فالأكراد، حسب التقرير، لا يتحسسون من أي انفتاح مع إسرائيل، بفعل تاريخ قديم من العلاقات ومن الدعم السياسي والعسكري للأكراد منذ عهد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني، إلى جانب تشكيل قوة إستراتيجية عسكرية واقتصادية لها القدرة على إيجاد توازن إقليمي حقيقي مع إيران والدول العربية، وأيضا مع العراق أو ما يتبقى منه في حال أفرزت الديمقراطية فيه تيارا سياسيا متطرفا”.

دفعت الأزمة الاقتصادية في كردستان البارزاني إلى عقد صفقات مع الشركات الأميركية للتنقيب عن النفط، وتصدير نفط المنطقة إلى تركيا خارج رغبة حكومة بغداد وسط مظاهرات شعبية واسعة داخل الإقليم تطالب بالحقوق بعد أن تم تخفيض رواتب الموظفين إلى قرابة 70 بالمئة، وكذلك تصاعد الخلافات السياسية مع قيادات الأحزاب الرئيسية، التغيير والاتحاد الوطني والذي يحتفظ بعلاقات عميقة مع إيران، إضافة إلى إسرائيل التي تشارك كلا الحزبين تلك العلاقات. وجد البارزاني في الحرب على داعش مناسبة للذهاب إلى الاستقلال عن العراق من خلال إعادة التذكير بإعلانه الدعوة إلى الاستفتاء على تقرير المصير بعد استحواذه على المناطق والبلدات الشاسعة بما يسمى المناطق المتنازع عليها.

إذا تمكنت أنقرة وموسكو من عقد صفقة في الوقت الراهن، فإن الأكراد سيكونون أول ضحايا هذه الصفقة، حيث تشكل تركيا مركز المشكلة الكردية التي تضم ما يقرب من نصف أكراد العالم

عوضت الولايات المتحدة الإقليم في سد عجز ميزانية حكومته، والتزمت بتسليح وتدريب قوات البيشمركة ودفع الرواتب للمقاتلين، في سبيل مساعدة تلك القوات على أن تقوم بدور محوري في معركة تحرير الموصل. وقد أضافت المساعدات العسكرية والمالية الكثير من القوة إلى عملية بناء مقومات الدولة والأسس التحتية السياسية والاقتصادية والعسكرية للاستقلال.

ومع ذلك فإنه من الصعب التقرير أن هذه المساعدات تصب في طاحونة الاستقلال، فهناك قوى تساعد أكراد العراق ليس من أجل تحقيق الاستقلال ولكن من أجل زيادة قوتهم في الحرب ضد داعش في العراق وسوريا الذي يمثل تهديدا للجميع. وتشير التطورات الأخيرة للحرب في العراق وسوريا إلى أن بعض التحالفات التي يقيمها الأكراد أو على الأدق تقام معهم، قد تصبح في مهب الريح نتيجة التطورات الإستراتيجية على الأرض، مثل التقارب الروسي التركي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وتوتر العلاقات بين أردوغان والغرب، التي وصلت إلى درجة أنه تحول للبحث عن حلفاء جدد في الشرق.

إذا تمكنت أنقرة وموسكو من عقد صفقة في الوقت الراهن، فإن الأكراد سيكونون أول ضحايا هذه الصفقة، حيث تشكل تركيا مركز المشكلة الكردية التي تضم ما يقرب من نصف أكراد العالم، وقد لا يتوقف التهديد الإستراتيجي لحلم الدولة الكردية عند ذلك الحد، بل إن سعي الولايات المتحدة إلى إبعاد شبح حرب باردة جديدة في علاقاتها مع روسيا ربما يقود واشنطن إلى إبطاء اندفاعها لتأييد حلم إقامة الدولة الكردية.

وهذا لا يعني أن الإدارة الأميركية كلها على قلب رجل واحد في ما يتعلق بالعلاقات مع الأكراد، ولكن القيادة الكردية ستكون مضطرة إلى إرجاء تنفيذ استفتاء عام على الاستقلال في إقليم كردستان انتظاراً لإدارة ترامب بعد يناير 2017 في ما يتعلق بسياستها في الشرق الأوسط.

إن الظروف الخارجية لم تكن وردية بالقدر الذي تصوره رئيس إقليم كردستان عندما دعا في فبراير 2016 إلى إجراء الاستفتاء على تقرير المصير. وكرر قوله في أغسطس الماضي بأن “العوائق أمام الدولة الكردية قد أزيلت” ومن أجل أن يكون أكثر واقعية عليه أن يضع في الاعتبار المشكلات الحالية بين الحزبين الكبيرين في إقليم كردستان، الذي يبدو وكأنه منقسم إلى إقليمين، ومن الصعب أن نتوقع حدوث تقارب بينهما. ولعل واقع ما بعد داعش سيفرز أوضاعا في غاية التعقيد، لا يتوقع أن يكون الأكراد على رأس الكاسبين، لأن الكبار لم يغيروا من نظرتهم إليهم.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر