الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

جحيم سارتر

إعفاء النفس من أي مسؤولية يجعل صاحبها وكأنه استثناء القاعدة في القيمة والموقف، ولو حاولنا أن نتحدث عن ذلك في حياتنا الثقافية لوجدنا أنه نوع من الكذب على الذات.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/11/22، العدد: 10463، ص(15)]

الآخرون هم الجحيم، مقولة أطلقها سارتر وجرى تداولها كثيرا من قبل مثقفين وكتاب عرب، للدلالة على بؤس الآخر وفداحة الشرط الموضوعي للعلاقة معه. هذه المقولة ليست مجرد دعوة إلى العزلة وحسب، بل هي تحرر الذات من أي مسؤولية عن هذا الواقع الجحيمي، الذي صنعه الآخرون وبالتالي فهي تعفي الذات من أي مسؤولية عن هذا الجحيم.

في علم النفس تسمى هذه الظاهرة بالإسقاط، عندما تحاول الذات أن تلصق هذه الصفة التي تريد الهرب من مواجهتها بالآخرين، وهو ما يجعل الذات معفية من الشعور من تبعات هذا الشعور نفسيا، فهل الذات مهما كانت نقية وطيبة لا تتحمل أي وزر عندما يكون عالم الآخرين على هذه الصورة التي يرسمها لها سارتر؟

قراءة هذه المقولة بالنسبة إلى فيلسوف مثل سارتر يجب أن تؤخذ في سياقها وفي سياق الفلسفة الوجودية التي كانت أحد رموزها، في حين أن استخدامها من قبل العديد من مثقفينا يأتي في سياق تمجيد الذات وتضخيمها، عندما يتحول الآخرون إلى شر مطلق، وكأن هذه الذات المفردة هي استثناء القاعدة.

هنا يظهر تضخم الأنا إما بسبب نزعتها النرجسية العالية، وإما تعبيرا عن عدوانية مبطنة تجعل رؤية الآخرين خارج إطار هذا المعنى غير ممكنة، ولذلك يجري تعميم هذه الرؤية، وكأن الجميع من جنس الأشرار، ولا تمايز بين شخص وآخر، ما يكشف عن لاعقلانية مثل هذا التعميم وبؤسه.

إن إعفاء الذات من أي مسؤولية عن مآلات الواقع على المستوى القيمي والأخلاقي، هو تعال غير مبرر على هذا الواقع، لأن العجز عن التأثير في الآخر وفي الواقع هو مساهمة في تكريس هذا الواقع، وإلا لماذا نكتب ولمن نكتب طالما أن الآخرين بهذه الصورة المرعبة، وأننا وحدنا من يحمل عبئه، ويعاني منه!

إن إعفاء النفس من أي مسؤولية يجعل صاحبها وكأنه استثناء القاعدة في القيمة والموقف، ولو حاولنا أن نتحدث عن ذلك في حياتنا الثقافية لوجدنا أنه نوع من الكذب على الذات. كلنا بدرجة أو بأخرى نقول ما لا نفعله، وكلنا بدرجة أو بأخرى نتحمل المسؤولية عن حالة التردي، فالكاتب الذي يثور لأن ناقدا كتب ما لا يعجبه عن عمل له، والمثقف عندما تكشف له في سلوكه ما يناقض ما يدعيه من قيم، والشاعر الذي يعادي الآخرين عندما يقولون له أنت تسهم في انتشار التلوث الجمالي، والآخر الذي يتصور عدم تبجيله هو مؤامرة ضده، جميع هؤلاء يتحول الآخرون عندهم إلى أعداء وإلى جحيم. فهل عرفنا الآن من أين يأتي هذا الجحيم؟

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر