السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

الأبناء يشبون على أيديولوجيات الآباء ولا يشيبون عليها

  • انتماء الأشخاص السياسي ليس صناعة أبوية ولا موروثا جينيا، بل يخضع لروابط تشترك فيها الجينات والأسرة والمدرسة والأقران ووسائل الإعلام، وتفصل فيها فكرة الموت.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/11/22، العدد: 10463، ص(21)]

الإنسان ليس حيوانا سياسيا

تقول سيدة بريطانية إن زوجها مدمن على الأخبار السياسية بشكل كبير، وقد تحول المنزل إلى حلبة صراع يومي بينها وبينه، بسبب اختلافهما الدائم في وجهات النظر، حول العديد من القضايا السياسية المحلية والعالمية، وخاصة منها انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية.

وعبرت عن خوفها من أن يؤثر جدالهما الدائم بشأن هذه المواضيع على نفسية ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات، وعلى توجهاته ومواقفه السياسية مستقبلا، وأكثر ما تخشاه هو أن تنتقل أيديولوجيا زوجها وأفكاره السياسية التي وصفتها بالمتعصبة إلى ابنها الوحيد.

ويقول الخبراء إن ما يتعلمه الأبناء على أيدي آبائهم وأمهاتهم يعتبر من العوامل الجوهرية لتطورهم والتأثير فيهم مدى الحياة، لأن الآباء يحتكون بأبنائهم لفترة طويلة وفي أوقات ومراحل مهمة، ولذلك من غير المفاجئ أن يتبنى الأطفال أيديولوجيات آبائهم عند الكبر.

غير أن أبحاثا أجريت في ثمانينات القرن الماضي كشفت أن الجينات الوراثية تؤدي دورا مهمّا في تحديد ميول الأشخاص السياسية.

وبدأ علماء النفس والمختصون في علم الوراثة السلوكية آنذاك يستخدمون دراسات التوائم لمعرفة التباين الحاصل في المواقف الاجتماعية، وقد أشارت تلك الدراسات إلى أن الجينات والبيئة تلعبان دورا في تحديد المواقف الاجتماعية.

وأثبتت دراسات أخرى أن الجينات ليس لها دور مباشر في اختيار الحزب السياسي، وهو ما يدعم نتيجة رئيسية في دراسة السياسة الأميركية، تشير إلى أن اختيار الحزب الديمقراطي أو الجمهوري تشكله التنشئة الاجتماعية الأبوية غالبا، ومع ذلك فقد أظهرت دراسات تلتها أن قرار الانضمام إلى أي حزب سياسي ومدى قوة هذا الارتباط يتأثران كثيرا بالجينات.

ودعمت هذه النتيجة دراسة حديثة نُشرت في دورية “بيهيفيور جينيتكس” الأميركية عام 2014 على عينة من الأشخاص تتكون من أكثر من 12 ألف توأم من خمس دول.

وتوصلت الدراسة إلى أن تطور المواقف السياسية يعتمد -في المتوسط- على البيئة التي نشأ فيها الفرد بنسبة 60 بالمئة تقريبًا، وعلى الجينات بنسبة 40 بالمئة.

وأكد بيتر حاتمي، عالم الأوبئة الوراثية في جامعة سيدني، أن الأشخاص يرثون جزءا من كيفية معالجتهم للمعلومات ورؤيتهم للعالم ونظرتهم للمخاطر والتهديدات التي تحيط بهم، وهو -من وجهة نظره- ما يُعرف إجمالا في المجتمع الحديث بالمواقف والتوجهات السياسية.

60 % تأثير البيئة على مواقف الأشخاص السياسية

40 % تأثير الجينات على مواقف الأشخاص السياسية

وعلى الرغم من صعوبة تحديد الجينات المسؤولة عن هذه السمات المعقدة، فإن علماء من سنغافورة عثروا على خيط رابط بين الجينات وتوجهات الأفراد السياسية نحو أحزاب يمينية أو يسارية.

وأجرى العلماء دراستهم على حوالي 1800 متطوع لبحث علاقة مفترضة بين الحمض النووي واختيار الإنسان للعقيدة السياسية التي يؤمن بها. واستقى العلماء من كل مشارك وجهات نظره السياسية والأحزاب التي يؤيدها ويناصرها، قبل جمع عينات من الحمض النووي لكل المتطوعين.

وتبين لهم أن تغير الجين “دي ار دي 4” المسؤول عن حصول الجسم على هرمونات السعادة، هو الذي يؤثر في اختيار الإنسان للحزب السياسي الذي سينتمي إليه.

واكتشف العلماء أن هذا الجين يجعل المرأة بوجه خاص تميل إلى وجهات نظر محافظة في العديد من المجالات، ومن ضمنها مجال السياسة، واتضح للعلماء أيضا أن الشباب يميلون عادة إلى وجهات النظر الليبرالية.

إلا أن بعض الخبراء يقللون من أهمية هذه النتائج، فالهوية السياسية أو الدينية للأشخاص -من وجهة نظرهم- ليست من صنع الآباء ولا من الموروثات، بل تخضع لتأثير الجينات والأسرة والمدرسة والأقران ووسائل الإعلام، والعوامل الاجتماعية والعاطفية والاقتصادية للمجتمعات.

وتمتلك الحياة المعاصرة في واقع الأمر قوة ملفتة للانتباه في بناء وتعزيز آراء الناس، وانتمائهم السياسي والعقائدي حتى دون إدراك منهم.

وبناء على ذلك، فإن ما يتعلمه الطفل في الصغر لن يكون ثابتا مع ما تشهده المجتمعات من تغيرات تتحكم في نسق العلاقات وفي النظم السياسية والقيم الاجتماعية والأخلاقية للمجتمعات. وهذه النتيجة قد تكون مفاجئة للآباء، خاصة وأن العديد من الأطفال ينشأون في أسر تستهلك المواضيع السياسية بإفراط وتريد لأطفالها أن يسيروا على دربها في قناعاتهم السياسية والعقائدية.

ولكن الاختلاف بين الأجيال أمر لا بد منه من وجهة نظر الخبراء، فعلى مرّ التاريخ يرغب كل جيل جديد في أن يُظهر شيئاً من التمرّد والاختلاف عن سابقه.

إلا أن العلماء ذهبوا إلى أبعد من ذلك في تفسيرهم لقناعات الناس السياسية وميولهم، وطريقة اتخاذهم للقرارات، فقد تبين لهم من خلال حزمة من الدراسات أجريت في هذا المجال أن التذكير بالموت يؤثر كذلك على المعتقدات السياسية والدينية للناس بطرق مثيرة.

فمن ناحية، يؤدي ذلك إلى حالة من الاستقطاب. فأصحاب الاتجاه السياسي الليبرالي يصبحون أكثر ليبرالية، بينما يصبح المحافظون أكثر محافظةً. وعلى النسق نفسه، يميل المتدينون إلى تأكيد معتقداتهم بحماس أكبر، بينما يصبح غير المتدينين أكثر إنكاراً للدين.

من ناحية أخرى، أثبتت هذه الدراسات أن التفكير في الموت يستدرج الناس جميعاً -سواء أكانوا متدينين أم غير متدينين- نحو معتقدات دينية بطرق خفية، وربما عن غير وعي. وعندما يكون التذكير بالموت قوياً بدرجة كافية، وعندما يكون المشاركون غير واعين تماماً بالتزاماتهم السياسية السابقة، يميل الليبراليون والمحافظون على حد السواء إلى تأييد أفكار ومرشحين محافظين.

ويقول بعض الباحثين إن ذلك يمكن أن يفسر التغير السياسي الذي ظهر في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر