الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الانسداد السياسي في المغرب… خيارات متعددة لأزمة سياسية

الخيارات أصبحت محدودة أمام حزب العدالة والتنمية؛ إذ كلما تأخر إعلان الحكومة بدا أقل قدرة على إدارة مفاوضات جيدة مع مختلف الأطراف، مما قد يكرس نوعا من العزلة ويدفع في اتجاه خيارات أخرى.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/11/23، العدد: 10464، ص(8)]

بعد أكثر من شهر على إجراء الانتخابات التشريعية، التي أعطت حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى، وتعيين أمين عام الحزب عبدالإله بن كيران من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس رئيسا للحكومة الجديدة، لا تزال المفاوضات بين حزب العدالة والتنمية والأحزاب السياسية الأخرى تراوح مكانها، فيما تتزايد التكهنات حول احتمال الفشل في تشكيل الحكومة المقبلة، بالنظر إلى الشروط والشروط المضادة التي تطرحها الأحزاب.

كان مقررا أن يتم الإعلان عن الحكومة الجديدة، من حيث المبدأ، مباشرة بعد انعقاد قمة المناخ التي احتضنتها مدينة مراكش، والتي اختتمت يوم الجمعة الماضي. فقد كان حزب العدالة والتنمية يرى أن تلك المدة كافية لإنجاح المفاوضات مع الأحزاب، ومن ثم اقتراح لائحة الوزراء الجدد على الملك، وفق ما يقضي بذلك الدستور.

لكن المفاوضات تعثرت بشكل غير مسبوق، حتى باتت البلاد تعيش في ظل فراغ سياسي، وبات حزب العدالة والتنمية في مأزق واضح، ما أثر على خطابه السياسي وطريقة تعاطيه مع الأزمة؛ فتارة يتهم جهات معينة، دون تسميتها، بعرقلة تشكيل الحكومة، وتارة يهدد بــ”تسليم المفاتيح”، وتارة أخرى يؤكد إصراره على المضي في المفاوضات لأنه الحزب الذي منحته الانتخابات الرتبة الأولى.

بدأت ملامح الأزمة مع دخول حزب التجمع الوطني للأحرار على الخط، بعد تسلم الملياردير عزيز أخنوش قيادته على إثر رحيل رئيسه السابق صلاح الدين مزوار. وقد اقترح الحزب على عبدالإله بن كيران استبعاد حزب الاستقلال من الحكومة الجديدة، كشرط لمشاركته، وهو ما رأى فيه بن كيران تدخلا في صلاحياته كرئيس للحكومة. وتطور الموقف إلى هجوم بن كيران على أخنوش شخصيا، لأن حزبه في اعتقاده حصل على الرتبة الرابعة في الانتخابات وبالتالي لا يمكنه أن يفرض وصايته عليه.

ويظهر أن موقف أخنوش يرتكز على أن الحكومة المقبلة يجب أن تظل بنفس التشكيلة السابقة، وألّا يتم إشراك أي حزب سياسي من خارجها، خاصة إذا كان من تلك الأحزاب التي كانت تهاجم التجربة الحكومية السابقة وتسعى إلى إسقاطها، كما هو الأمر مع حزب الاستقلال الذي انخرط في الحكومة السابقة ثم غادرها بعد أقل من عامين، وبدأ في مهاجمتها طيلة السنوات اللاحقة.

ويتناغم هذا الموقف مع الشعار الذي رفعه حزب العدالة والتنمية نفسه طيلة مرحلة ما قبل انتخابات السابع من أكتوبر، وهو مواصلة الإصلاح مع الحكومة الجديدة، ومن ثمة فإن منطق حزب التجمع الوطني للأحرار يستند إلى عدم تمكين أي حزب من خارج الحكومة السابقة من فرصة تبييض سجله السابق معها وتبني سياسة حكومية لم يكن من صناعها.

هذا الموقف الذي أعرب عنه حزب التجمع، والذي سرعان ما التحق به حزب الحركة الشعبية الذي كان هو الآخر جزءا من الحكومة السابقة، أثار حفيظة حزب الاستقلال الذي هاجم أمينُه العام حميد شباط كلا من حزب الأصالة والمعاصرة، الحاصل على الرتبة الثانية في الانتخابات والمستثنى من مشاورات بن كيران، وحزب التجمع، بل ذهب شباط إلى حد اتهام جهات لم يسمها بمحاولة إسقاط رئيس الحكومة، ووصل غضب الحزب، عبر جريدته الناطقة باسمه، إلى درجة المطالبة بـ”العودة إلى الناخب”، في إشارة إلى معاودة الانتخابات مرة ثانية.

وفي ما تعثرت المشاورات، روّج البعض خيارا بديلا للخروج من الفراغ السياسي، وذلك بتكليف الحزب الثاني الفائز في الانتخابات بتشكيل الحكومة، الأمر الذي زاد في احتقان الحياة السياسية ودفع حزب العدالة والتنمية إلى التنديد بمثل هذا الخيار ومن يقف وراءه. ويقول بن كيران إن الناخبين فوضوا حزبه تشكيل الحكومة بمنحهم أصواتهم، وإن نتائج الانتخابات تقتضي احترام المنهجية الديمقراطية.

ويبدو أن الحزب بات متخوفا من تكرار سيناريو حصل عام 2002، عندما فاز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالرتبة الأولى في الانتخابات التي أجريت في ذلك العام، لكن الملك محمد السادس اختار شخصا من التكنوقراط غير المنتمين إلى أي حزب سياسي، هو إدريس جطو، وكلفه بتشكيل الحكومة. وقد احتج الاتحاد الاشتراكي آنذاك على ما سماه “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” في بيان لمكتبه السياسي، بيد أنه مع ذلك شارك في تلك الحكومة.

ومع أن الدستور المغربي لا يوضح الخيارات الممكنة في حالة عجز رئيس الحكومة المعين عن تشكيل فريقه الحكومي، إلا أن الملك يبقى صاحب الكلمة الأخيرة. فالدستور ينص على أن الملك هو رئيس الدولة والمكلف بالسهر على السير الطبيعي للمؤسسات، وهذه القاعدة تخضع للتأويل الدستوري وتمنح الملك صلاحيات الحسم في حالة الانسداد السياسي.

كما أن الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول، لا يشير إلى أن الملك يعيّن بالضرورة رئيس الحزب رئيسا للحكومة، بل أي شخص آخر من الحزب، كما لا يوضح طريقة العمل في حالات الشذوذ، إلا أن السلطة التقديرية للملك يمكن أن تلجأ إلى خيارات متعددة، كالحزب الثاني، أو إعادة إجراء الانتخابات.

بيد أن اللجوء إلى الحزب الثاني، الذي هو هنا حزب الأصالة والمعاصرة، مكلف سياسيا، ذلك أن حزب العدالة والتنمية، الذي لا يزال ينظر إلى ذلك الحزب كصنيعة للدولة، لن يرضى بذلك الخيار، بالرغم من أن بن كيران أعلن سابقا أن حزبه لن يحتج ولن يتظاهر. أما خيار إعادة الانتخابات مرة ثانية فهو مكلف ماديا وحتى سياسيا، وسوف يعني أن الأحزاب المغربية غير ناضجة بما فيه الكفاية للدخول في مفاوضات مثمرة بعيدة عن الابتزاز والصراع على الحقائب الوزارية، وهو ما أشار إليه الملك في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء من العاصمة السنغالية، حين طالب الأحزاب السياسية بعدم التعامل مع التشكيلة الحكومية بمنطق الغنائم. كما أن إعادة الانتخابات سوف تمس بصورة البلاد وتجربتها الديمقراطية الفتية.

يتبقى الخيار الثالث، وهو تعيين رئيس جديد للحكومة من حزب العدالة والتنمية غير بن كيران، بيد أن الحزب أشار ضمنيا إلى رفض مثل هذا الخيار سلفا، حين أكد بعض أعضائه أنهم جددوا ثقتهم في بن كيران في المؤتمر الأخير وفوضوا إليه مواصلة المسيرة السياسية، وبالتالي فهم متشبثون به كرئيس للحكومة.

تضع هذه الحيثيات حزب العدالة والتنمية في مأزق سياسي، ومن ثمة تضع البلاد في أزمة تتفاقم كلما تأخر إعلان الحكومة الجديدة. فهو في الـوقت الذي يحتج على حزب التجمع الوطني للأحرار لكونه يضع “شروطا تعجيزية”، بتعبير بن كيران، يضع هو أيضا شروطا تعجيزية أخرى تغلق الباب أمام إمكانية الوصول إلى نتيجة، ويتصرف بطريقة مرتبكة. ففي البداية أعلن بن كيران أن الأولوية في المشاورات ستكون للأحزاب التي شاركت في الحكومة السابقة، ثم سرعان ما أعلن تحفظه على حزب الحركة الشعبية، ورحب بحزب الاتحـاد الاشتراكي للدخول في الحكومة، لكنه انقلب عليه في ما بعد، وهاجم في السابق حزب الاستقلال واتهم أمينه العام بعدة تهم، ثم أصبح يعتبر مشاركته في الحكومة شرطا لا يمكنه التنازل عنه، وهو الشرط الذي فجر خلافه مع حزب الأحرار والحركة الشعبية.

ويبدو أن الخيارات أصبحت محدودة أمام حزب العدالة والتنمية، إذ كلما تأخر إعلان الحكومة بدا أقل قدرة على إدارة مفاوضات جيدة مع مختلف الأطراف، مما قد يكرس نوعا من العزلة ويدفع في اتجاه خيارات أخرى ستفرض نفسها انطلاقا من الاعتبارات الدستورية. وقد أظهرت الأسابيع الماضية، منذ تعيين بن كيران رئيسا للحكومة، أن الحزب لا يزال بعيدا عن التعاطي مع الشأن السياسي انطلاقا من المرونة وتقديم التنازلات والتعامل بمنطق التوافق، الذي طبع الحياة السياسية المغربية طيلة التجارب السابقة، وعدم التشدد في التعامل مع اقتراحات مختلف الأطراف السياسية الأخرى.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر