الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

برج الحمام العالي

نحن في المشرق لم نكن بحاجة إلى ثورة اتصالاتهم خلال أكثر من عشرة آلاف عام، استعملنا فيها الحمام الزاجل ببراعة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/11/25، العدد: 10466، ص(24)]

اتضح، وحسب آخر دراسات السوق، أننا الأكثر سطحية بين البشر. وقد برهن على هذا كل من جامعة لانكستر وكذلك جامعة لينكولن في بريطانيا، بعد أن استقصوا ودرسوا واستنتجوا. ليكون مانشيت الصحف في اليوم التالي: مستخدمو الآيفون أكثر سطحية من مستخدمي الأندرويد. غير أن نتائج أبحاث الجامعتين التي نشرت قبل شهرين فقط، لم تقتصر على سطحيتنا، بل بلغ الأمر بهما إلى وصفنا بالنعومة والقلق. علاوة على أننا أقل صدقا وغير متواضعين وانفعاليون وعاطفيون.

وهكذا نجد أننا نتحول من مجرد مستهلكين عاديين، وزبائن جيدين، إلى أشخاص لهم تلك المواصفات الشنيعة القريبة من الشتائم. وكل هذا كما يقول المشرفون على الدراسات بهدف وضع بيانات للتنبؤ طبيعة 70 بالمئة من المستخدمين.

لا ذنب لمستخدمي هذا النوع من التقنيات أو ذاك، حتى يجري وصفهم بتلك الأوصاف. ولكن السوق تقبل هذا، بأخلاقيات خاصة بها. ولا حرج لديها في نعت البشر بأوصاف غير لطيفة، للبرهنة على صحة نتائج أبحاثها. المعلومة هي الهدف. لأنها ستعني المزيد من التعديلات على مواصفات السلع التي تطرح في الأسواق أمام أولئك المستهلكين السطحيين زورا. المعلومة ستعني الربح. والربح سيعني المزيد من المعلومات. وهكذا حتى نصل يوماً إلى اليوم الذي يمكنك فيه التحكم بالسوق بالتحكم بمزاج المستهلك.

لكن هذا قد ينفع في كل المجالات، إلا في حقول الفكر والمعرفة. صحيح أنك يمكن أن تقدّم منتجا ثقافيا خفيفا حسب طبيعة المستهلك غير العميقة. لكن مع الوقت ستفقد مستهلكك ذاته، الذي سينخفض معدل اهتمامه يوميا. لأن لدى هذه الحقول وظيفة لا يمكنها التخلي عنها، مهما انحطت معاييرها عبر الأزمنة. إنها وظيفة التنوير.

نأمل أن يقرأ باحثو جامعاتي لانكستر ولينكولن هذه السطور، ليعرفوا أن مستخدمي الآيفون ليسوا كما يعتقدون. فنحن في المشرق لم نكن بحاجة إلى ثورة اتصالاتهم خلال أكثر من عشرة آلاف عام، استعملنا فيها الحمام الزاجل ببراعة، حتى استفادت أوروبا من خبراتنا في الحرب العالمية الأولى، حين لجأت إلى أكثر من 100 ألف حمامة زاجلة لتنقل الخرائط والبرقيات.

الحمام لدينا مهم وعبقري وفي صميم ثقافتنا، وكنت قد التقيت قبل سنين أثناء خدمة العلم بطبيب أسنان عسكري، ابتلاه الله بحب الحمام، حتى أصبحت حياته كلها حمام بحمام، وكان يطلق أوصاف الحمام على الأسنان والبشر معا، فيقول “هذا سن مشمشي وذاك عرجاني وذاك جخجرلي” أو يقول “زميلتنا الطبيبة النقيب هيفاء إنسانة فرفوحة”. أو يخاطب مريضه ناصحا “ركّبْ حاليا حشوة مؤقتة والعبْ بالمقصقص إلى أن يأتيك الطيّار”.

قبل ذلك وحين احتل النازيون باريس، استعمل الفرنسيون لتأسيس جيشهم أيضا حماما زاجلا عربيا لعلهم جلبوه من المغرب أو تونس أو بلاد الشام التي كانوا يحتلونها آنذاك. فبنوا له العشرات من الأبراج المتنقلة. فلم يجد الألمان طريقة لمكافحة تلك الشبكة الرهيبة من الاتصالات سوى بإطلاق أسراب من الصقور الجارحة لتصيد تلك الحمائم العربية البيضاء السطحية.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر