الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

عندما ينقلب الإسلاميون على أنفسهم

  • الانقلاب المفاجئ في مواقف الكثير من القيادات الإسلامية، والتناقض الواضح بين تصريحات الأمس وتصريحات اليوم، يعكسان ضربا من الانتهازية الواضحة التي تضرب عرض الحائط بما كانوا يرفعونه من وشعارات، فالمهم بالنسبة إليهم هو الوصول إلى السلطة، وبأي ثمن، حتى وإن كلفهم ذلك الطعن في مصداقيتهم.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/11/28، العدد: 10469، ص(13)]

تغيير المواقف الآن وغدا وبعد الغد

كثيرة هي المحطات التي تكشف انقلاب الإسلاميين من الموقف إلى نقيضه وبالعكس، وذلك تبعا للظرفية السياسية والوقائع، بحيث يصعب في العديد من الحالات التعرف على المواقف الحقيقية التي تعكس الرؤية السياسية أو غير السياسية لدى عدد منهم، ذلك أنهم يستطيعون اتخاذ لبوس لكل حالة.

ولذلك يصح القول بأن مساحة المبادئ قياسا بمساحة المصالح لديهم صغيرة، بالنظر إلى النزعة المكيافيلية التي تطبع فكرهم وتميزه.

مناسبة هذا الكلام هي التصريحات الإعلامية التي أدلى بها أحمد الريسوني، رئيس حركة التوحيد والإصلاح المغربية الأسبق ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، هذا الأسبوع.

فقد قال كلاما قويا عن جماعة الإخوان المسلمين، وعن أحمد مرسي، سجل فيه انقلابا جوهريا على مواقفه التي كان يرددها في السابق، والتي كان يمجد فيها الجماعة ويعتبر فيها خلع مرسي انقلابا على الاختيار الديمقراطي للشعب المصري، كما ردد مرارا.

لا يهمنا ما قاله الريسوني عن علاقة حركة التوحيد والإصلاح بجماعة الإخوان المسلمين، في معرض الرد عن طريق المواربة على سبق أن قلناه في عدة مناسبات هنا بالمغرب وتناقلته الصحف الداخلية، إذ كان مترددا ومتناقضا بين “الأخونة” و”المغربة”، فجاء حديثه أقرب ما يكون إلى اللون الرمادي. لكن ما يهمنا تصريحاته عن جماعة الإخوان المسلمين.

لقد اعتبر بأن ترشح أحمد مرسي للرئاسة في مصر كان خطأ كبيرا، وانتقد السرعة الخارقة في تحمل مسؤوليات الدولة في مصر.

وقال إنه كان من الأفضل أن تدعم جماعة الإخوان المسلمين شخصا آخر كالبرادعي أو عمرو موسى.

جماعة الإخوان في مصر هي التي كانت تحكم وليس حزب الحرية والعدالة، الذي كان مجرد واجهة سياسية لتصريف المواقف

وانتقد سيطرة الجماعة على الحزب في مصر، وزاد بأن الإخوان كانوا سيفشلون تلقائيا لو بقوا في الحكم، ولكن الإطاحة المتسرعة بمرسي أنهت الموضوع، بل إنه قال إنه فرح كثيرا عندما تمت الإطاحة بمرسي.

الأكثر من ذلك أن الريسوني وصف النظام الذي أرساه الإخوان في مصر بأنه “كان نظاما عسكريا متحجبا ومستترا”، وقال إن جماعة الإخوان المسلمين تعتبر نفسها “مذهبا”، واصفا ذلك بأنه كارثة. ثم هاجم الجماعة حين قال إنها طاردة للفكر والمفكرين والعلماء ولا تقبل بينها عالما أو مفكرا.

تشكل هذه التصريحات انقلابا واضحا في موقف السيد أحمد الريسوني الذي سبق له التعبير عنها في السابق. إنه يقول إن الإخوان أقاموا نظاما عسكريا مبطنا، لكنه في العام الماضي قال إن رئيس الدولة -في إشارة إلى مرسي- “ملزم بأن يعتمد أساسا على حزبه وفريقه، حتى لا يبقى له عذر في أي فشل أو تقصير، وحتى يكون حزبه الذي رشحه وزكاه وأيده شريكا معه في نجاحه أو فشله”.

ولا ندري هل يتحدث عن الحزب أم عن الجماعة التي انتقد سيطرتها على الحزب؟ فالمعلوم أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي التي كانت تحكم وليس حزب الحرية والعدالة، الذي كان مجرد واجهة سياسية لتصريف المواقف التي تمليها الجماعة المتنفذة. وإذا كان الريسوني يعتبر الحكم الذي أرساه الإخوان في مصر حكما عسكريا فلا ندري لماذا الحديث عن “فريق”، أم أن الفريق المقصود هنا بمعناه العسكري.

التناقض الكبير الآخر الذي وقع فيه الريسوني هو قوله بأنه شعر بالفرح لدى إزاحة مرسي عن الحكم، لكنه قبل عامين صرح على لسانه بأن “الإعدام الحقيقي في مصر هو إعدام إرادة الشعب وصوته وكلمته”.

لماذا -إذن- يفرح لأمر يستنكره؟ ألم يكتب عقب إزاحة مرسي مقالا -سمجا على كل حال- قال فيه إن هناك جريمة مماثلة لجريمة تبييض الأموال “هي جريمة اغتصاب الحكم والاستيلاء غير الشرعي عليه”؟ ألم يوقع على بيان عام 2015 يعتبر مرسي “الرئيس الشرعي” لمصر؟

إنه الانقلاب على النفس لدى عدد من الإسلاميين الذين يخونهم التمييز فيسقطون في شطحات لاواعية نظير شطحات الصوفية، في مواقف سياسية تتطلب تحكيم الوعي ودقة التعامل مع اللحظة بعيدا عن الغوغائية والرغبة في مسايرة الشارع. فما صرح به الريسوني حول جماعة الإخوان المسلمين ليس شيئا جديدا، بل عبر عنه المئات من الباحثين والدارسين والإسلاميين الذين كانوا في السابق مع الإخوان قبل أن يستفيقوا على الوقائع الفاقعة، كل ما في الأمر أنه صار اليوم واحدا ممن يتبنونها، وكانوا بالأمس يطعنون في تلك المواقف ويعتبرونها نوعا من السخف، قبل أن يتحولوا إليها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر