الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

المبدع والمستبد

كانت للكاهن والشاعر عند عرب ما قبل الإسلام مكانة كبيرة جدا، بوصفهما الشخصين اللذين ينتجان السجع والشعر.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/11/29، العدد: 10470، ص(14)]

اتخذت العلاقة بين النخب المبدعة من كتاب ومفكرين وفلاسفة وشعراء ورسامين ونحاتين وموسيقيين والجمهور صورة بسيطة جدا، حيث يكنّ الجمهور لهذه النخب قدرا كبيرا من الاحترام والتقدير تأكيدا للاعتراف بقيمة الأثر الذي تنتجه، خاصة وأن الإقرار بقيمة العمل الفكري مازال حاضرا كتقليد عام في جميع المجتمعات، مع الإقرار بارتفاع شأن العمل اليدوي. وبالمقابل فإن الجمهور يحوز لدى النخب على مكانة كبيرة، لأنه عمليا، هو الذي يتوجه إليه الأثر.

لقد كانت للكاهن والشاعر عند عرب ما قبل الإسلام مكانة كبيرة جدا، بوصفهما الشخصين اللذين ينتجان السجع والشعر. وظل هذا الأمر مستمرا بالنسبة إلى الشاعر حتى هذه اللحظة. بل إن أهل السلطان في التراث العربي يتقربون من النخب، النخب بوصفها سلطة تكتسب من ذواتهم، كي يحسّن السلطان من صورته أمام الناس أو يزيدها حسنا ولنا في المتنبي والتوحيدي مثلا على ذلك.

ولعمري إن هذه الحالة الأخلاقية من العلاقة تدل على رقي في وعي الجمهور بالنخب المبدعة ووعي النخب المبدعة بالجمهور. بل وأصبحت من عادات القيم السائدة إلى أن جاء الدكتاتور وجاء معه الطغام.

يقيم الدكتاتور العسكرتاري المتأخر ثقافيا علاقة عدوانية مع النخب المبدعة وآية ذلك أن النخب، كما قلنا، مكتفية بسلطتها، لكنه وهو يحتاج إلى سلطة الثقافة تمكينا لسلطته، فإنه يعوّل على ظلال النخب.

النحّات الذي يجسده، والرسام الذي يشكل صورته، والشاعر الذي يدبح له المدائح، والكاتب الذي يشير إلى عبقريته، والموسيقي الذي يلحن له الأغاني وهكذا. وهؤلاء ظلال نخب. لكن الأخطر من ذلك هو تدمير العلاقة الطبيعية التاريخية بين النخبة المبدعة والجمهور عبر انتشار أخلاق الطغام.

تبدأ عملية تحطيم قيم الاعتراف بقيمة النخب المبدعة بسيادة الطغام المقربين من مسرح الكلام، فيتحرر الكلام لديهم من آداب التعبير المتوارثة عن العلاقات المعشرية الإنسانية، وبخاصة الآداب الناظمة لعلاقة النخبة المبدعة بالجمهور. وهذه عملية مرتبطة بقتل قيمة الحياء، الحياء القيمة الأساس التي تنظم علاقات البشر ببعضهم بعضا، لأن الحياء لا يكون إلا من الآخر، ومن القيم المتفق عليها اجتماعيا. ومع استمر أخلاق الطغام فترة طويلة من الزمن تتحول شيئا فشيئا إلى أخلاق شبه عامة، فتنهار تلك العلاقة الطبيعية بين النخب والجمهور، فيصبح النيل من المبدع عبر اللغة الوقحة الخادشة للحياء والشتّامة، أمرا عاديا.

صحيح أن جزءا من الجمهور ومن الناجين من أخلاق الطغام يبقى أمينا لعلاقة الاحترام التي يكنّها للمبدع، لكن شيوع أخلاق الطغام يقودهم إلى احتلال منصات القدح والذم والبذاءة.

ولعمري إن تحطيم السلطان وطغامه للقيم الحاكمة لعلاقات الأنا بالآخر، واغتيال أخلاق الاعتراف كارثة من أصعب الكوارث التي يحدثها الدكتاتور في المجتمع وهيئاته. والتي تنعكس على الإبداع الثقافي، حيث يجد المبدع نفسه أمام سلطان ينفيه وطغام تحتل مسرح الرقص. والطغام لمن لا يعلم هم أسوأ الناس وأرذلهم وأدناهم وأضعفهم.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

:: اختيارات المحرر