الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

العراقيون ليسوا بحاجة إلى تسوية تاريخية

ما المقصود بالتسوية التاريخية التي عرضها الحكيم؟ هل المقصود ردم الهوة وإعادة الثقة بين التحالف الشيعي الحاكم وبين العرب السنة والأكراد خلال مسيرة الفشل السياسي وتغييب أسبابها الحقيقية، أم أنها محاولة جديدة لإعادة إنتاج مشروع تقاسم السلطة؟

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/11/29، العدد: 10470، ص(8)]

لم تكن مبادرة عمار الحكيم الجديدة بعقد تسوية سياسية تاريخية حدثا استثنائيا وخارقا للحالة العراقية، بل جاءت في محاولة من الحكيم المعروف بوسطتيه داخل التحالف الشيعي لإنقاذ الحكم الشيعي أولا في أدق ظرف سياسي وما يتوقع حصوله من سيناريوهات لما بعد داعش، ومجيء دونالد ترامب لرئاسة أميركا وسط مخاوف داخل التحاف الشيعي من حدوث عملية تصحيح جوهرية في السياسة الأميركية الحمقاء للسنوات الأربع عشرة الماضية تجاه الملف العراقي، وفي مقدمة ما يخشاه التحالف الحاكم، ومن خلفه إيران، رفع الثقة عن حكام العراق وبداية المحاسبة الشعبية للأحزاب بعد رفع الغطاء السياسي لمحاربة داعش.

رغم ذلك فما أعلن من ورقة التسوية يشخص جزءا من الأزمة السياسية بالبلد وليس جوهر الأزمة، فالورقة تتحدث عن “مبادئ أساسية أهمها الالتزام بوحدة العراق والنظام الديمقراطي، ورفض التقسيم بأي شكل من الأشكال، والالتزام بالدستور كمرجعية للقوى المشاركة وغير المشاركة بالعملية السياسية، وترسيخ دولة المؤسسات، والحفاظ على الديمقراطية والنظام المدني، واعتماد اقتصاد حر، والالتزام بالتوزيع العادل للثروات، والامتناع عن التكفير وتخوين الآخر وعدم السماح بوجود ميليشيا خارج الدولة، والتزام جميع الأطراف بمحاربة أي مجموعة مسلحة غير قانونية. وهذه مبادئ عامة سبق أن تضمنها الدستور مفجر الأزمات، أما أهداف تلك التسوية فهي:

1-التسوية الشاملة وليس التنازل أحادي الجانب.

2- مبدأ لا غالب ولا مغلوب.

3- تصفير الأزمات بين الأطراف العراقية.

4- رفض استخدام العنف كورقة سياسية بتحقيق التسويات السياسية.

كما تحدد خطة التسوية المجالات التي سيتم اتخاذها لبناء الثقة بين الأطراف العراقية التي ستشتمل على القضايا الآتية: الضمانات والنازحين والمعتقلين والتشريعات والعدالة الانتقالية والجرائم التاريخية ومشروع مركز التوثيق وسيادة القانون والتعديلات الدستورية وشكل وهوية الدولة والأمن والسلاح وإصلاح القطاع الأمني والإعلام والاتصالات.

بعيدا عن أي دعوة للتشكيك بدوافع مبادرة الحكيم، ورغم أنها مازالت في مهدها ولم يتم الاتفاق عليها بين أطراف التحالف الشيعي، لا بد أولا من طرحها علنا على الرأي العام العراقي قبل الدخول في اتفاقات مع السياسيين السنة. ومن المفيد التنويه بأن “التسوية التاريخية” سبق تداولها بين أوساط سنية قريبة من حكومة نوري المالكي قبل ثلاث سنوات، وهناك ناشطون فيها اتهموا بتنفيذ أجندات إقليمية وقد حققوا أخيرا مآربهم بالوصول إلى مواقع تمثيل السنة “مذهبيا” في الحكومة.

فما هو المقصود بالتسوية التاريخية التي عرضها الحكيم؟ هل المقصود إعادة الثقة التي انهارت بين التحالف الشيعي الحاكم وبين قوى العرب السنة والأكراد خلال مسيرة الفشل السياسي وتغييب أسبابها الحقيقية، أم أنها محاولة جديدة لإعادة إنتاج مشروع تقاسم السلطة الذي تفكك وانهار، أم هي نوع جديد من أنواع مشاريع المصالحات التي راجت خلال السنوات الماضية وتشكلت لها وزارات وعقدت مؤتمرات وصرفت الملايين لأجهزتها لكنها فشلت في تحقيق أهدافها؟

ورقة المبادرة تقول إنها تسعى إلى توسيع دائرة المشمولين بالاتفاق، فهي “لم تستثن سوى حزب البعث وداعش وكل كيان إرهابي وتكفيري وعنصري”، ولم تذكر “الطائفي” ولكن من هم أولئك المشمولون بالمصالحة؟ وإذا استثنينا الأكراد الذين يتعاملون مع بغداد ككتلة واحدة رغم خلافات الحزبين الرئيسيين وأعلنوا تأييدهم للمبادرة قبل قراءتها، فالمقصود هم العرب السنة، والمعنيون هم الزعامات السنية التي أصبح لديها تشكيك وعدم ثقة بحكومتي المالكي والعبادي، حيث يسعى الحكيم إلى إعادتهم للعملية السياسية صحبة وجوه جديدة وسط رفض حاد من أقطاب التحالف الشيعي، وهناك أسماء معروفة اتخذت بحقها إجراءات قانونية زمن حكومة المالكي، وإذا كان أولئك هم المقصودين فهل يستحق الأمر “تسوية تاريخية”؟

وإذا تم استثناء “حزب البعث الصدامي” الممنوع وفق الدستور فما هو الموقف من البعثيين الذين لم تتلطخ أياديهم بدماء العراقيين وهم كثر وبينهم شخصيات سياسية لا يستهان بمكانتها بين العراقيين ذات مواقف وطنية، وما الموقف من الفصائل المسلحة السنية التي حاربت سابقا الاحتلال الأميركي ثم داعش؟ وسبق أن فتحت معها قنوات اتصال عبر وسطاء إقليميين، فهل المطلوب من هؤلاء الوطنيين أن يبصموا على مقدسات الدستور والعملية السياسية لكي يتم العفو عنهم، أم المقصود هو التسوية التاريخية بين العرب الشيعة والسنة، وهاتان الطائفتان لا صراع بينهما عبر التاريخ، فمن فرّق بينهما هم السياسيون الطائفيون من الشيعة والسنة، من فرق بينهم “دستور المكونات” الذي ترفض المبادرة المساس به.

إذن هناك غموض مقصود غطى على العبارات التقليدية الواردة بالورقة، التي لم تجب عن التساؤلات الكبيرة والكثيرة، أو هي لا تريد التورط بالإجابة عنها، وصاحب الورقة هو رئيس الكتلة السياسية الحاكمة القادرة على رسم السياسات وتنفيذها فورا، ولديها الغطاء الدستوري الذي يبيح لها ذلك، فلا تحتاج إلى مشاريع لتسويات تاريخية.

فما حصل بالعراق هو نتاج سياسات الأحزاب الحاكمة، فهل لدى تلك الأحزاب القدرة على تغيير منهجها في الحكم، أم يعتقد عمار الحكيم أنه سيتمكن من تغيير هذا المنهج، ويحوله إلى برنامج لنظام سياسي مدني غير طائفي، وإذا ما عجز عن مهمة التغيير هذه وهو جزء من نظام الحكم، فهل يتمكن ومن معه من عقلاء التحالف الشيعي من إزالة المخاطر التي ستحل بالعراق بعد داعش، ورفع الظلم عمن وقع عليهم وهم أبناء طائفة تعايشت مع أختها الطائفة الحاكمة أزماناً طويلة. فالظلم كبير لا تحله الدعوات النظرية والعبارات البراقة، ومن أمثلة ذلك:

هل سيطلق سراح المظلومين من المعتقلين والمحكومين بلا قضاء. وهل ستعاد حقوق المواطنين التي سلبت من دون حق؟ هل ستلغى إجراءات التغيير الديموغرافي منذ عام 2003 وإلى حد الآن، وهل ستلغى إجراءات تهجير العرب السنة من ديارهم خصوصا في المحافظات التي تم ويتم تحريرها من داعش؟ هل سيتم إيقاف الفساد ومحاكمة مافياته وإعادة أموال العراق المنهوبة؟

قد يقول منظرو التسوية التاريخية إن هذه إجراءات خاصة بالحكومة، ولكن ألم يدعو حيدر العبادي منذ أكثر من سنتين إلى حملة “الإصلاح الشامل” ولم تتحقق فقرة منها بسبب ما تحيطه من ضغوط حزبية؟. فإذا كانت هذه المبادرة لا تقترب من العملية السياسية ولا من الدستور، فما هي أهدافها؟

وما دلالات تشريع قانون للحشد الشعبي يعطي القوى السياسية الشيعية قوة مسلحة مشرعة وفق القانون، وسط رفض القوى العربية السنية المشاركة بالعملية السياسية، وإعلانها بأن مبدأ الشراكة بعد تشريع هذا القانون قد انتهى وترفض مشروع “التسوية التاريخية”؟ أليس من حق العراقيين وصف هذه المبادرة بكونها محاولة لإعادة تجديد مشروع “تقاسم السلطة” الذي وصل إلى مأزقه، وهي عمل استباقي لما سيحصل من تطورات لما بعد داعش.

تريد الأحزاب الحاكمة أن تقول للإدارة الأميركية الجديدة التي تبدو ملامحها أكثر تشددا تجاه الإسلام السياسي في المنطقة: نحن مازلنا حكاما وما تطلبونه من تعديل في التوازنات المختلة تجاه العرب السنة نحن مستعدون لحله وفق برنامجنا السياسي، لكن المشكلة هي عند ممثلي العرب السنة المختلفين في ما بينهم، وَحّدوهم عن طريق الأمم المتحدة ونحن جاهزون. لا أعتقد أن سياسيي العرب السنة، من خارج اتحاد القوى، الذين يخشون فقدان مصالحهم، لم يسمعوا هذه الرسالة، أما أبناء العرب السنة من خارج العملية السياسية فسيبقون الرقم الصعب الغائب.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر