الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أفريسك

لعل الغد سيأتي بآخرين ينظرون إلى ما تركناه من تراث، كما ننظر اليوم إلى الأفريسك في الكهوف.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/12/02، العدد: 10473، ص(24)]

انقضاء حقبة الإنسان العادي، منعطف خطير في التاريخ. فلم يعد لدى الشطّار من يتشاطرون عليه بعد اليوم، ولم يعد للمحتالين ضحايا يحتالون عليهم. ولكن كيف انقرض الإنسان البسيط أو ما سميناه بالعادي؟

انقطع هذا النسل، مع اندثار البشر الذين لا يتواصلون مع الآخرين عبر الآلات الصغيرة الذكية، والذين يكتفون بتناقل الأخبار والأحاديث في المجالس والمضافات، والذين يجدون ما يسمونه بـ”وقت الفراغ” فيقضونه في القيلولة أو قراءة المجلات أو حل الكلمات المتقاطعة.

لم يعد ابن الريف يأتي بزيه التقليدي، يسأل في حارات المدينة عن سبيل لشرب الماء، فيدله الصبيان الأشقياء بعد أن يكهربوا له الحنفية، لأنه كان عاديا. لن ترى طالبا يذرع سطح منزل أهله من الصباح إلى المساء، وهو يقرأ في كتابه المدرسي ويعيد ويسمّع لنفسه ما حفظ، فقد كان عاديا وانقرض.

ولن ترى كاتبا يختلي بنفسه في مقهى شتوي مختبئا عن الناس ليكتب بقلم على الورق. كان إنسانا عاديا، لكنه انقرض، فلا حاجة اليوم إلى الكاغد والأحبار والأقلام.

وإذا كان دليل شركة ايكيا السويدية للأثاث، حسب صحيفة نبض الأوريسند، تطبع منه دوريا 213 مليون نسخة بـ32 لغة حول العالم، فهذا يعني أن الإنسان العادي الذي كان يحتفل بكتاب اشتراه، ملامسا ببصمات أصابعه غلافه كما لو كان قشرة من الفضة على طاولة من عاج، قد انقرض تماما.

وقد كان لدينا في ما مضى ناقد تشكيلي شهير، اسمه طارق الشريف، اعتبر رائدا من رواد النقد التشكيلي العربي في المشرق إلى جوار جبرا إبراهيم جبرا وشاكر حسن آل سعيد، لكن الشريف، كان مدرسة خاصة لا مثيل لها، فقد ابتكر، رحمه الله، فلسفة النقد التضليلي الذي لا يوصل إلى شيء، والتعابير الفنية المصطلحية التي تقود إلى المكان ذاته الذي كنت قد بدأت منه القراءة.

فمثلا كان يقول لك إن اللون عند بول سيزان “عجينة تبدو طرية بيد الفنان الذي يلويها كما يشاء كما لو كانت من عجين”. أو “أما التعابير الفريسكية التي يرسمها فاتح المدرس على لوحته فهي فريسكو خالص” ويشرح بالقول “أما الفريسكو فيستخدم فيه الجص للتمليط، وأيضا للتجصيص”. والأفريسك، كما هو معلوم، رسوم إنسان الكهف القديم على الصخور.

تذكرت الشريف هذا الناقد الذي رحل عن عالمنا قبل ثلاثة أعوام، حين تذكرت رجال الكهوف، فكان قد كتب يوما “إن عدم وعينا لأهمية تراثنا سيجعلنا غرباء عن هذا التراث، فعدم القراءة الجديدة له عبر واقعنا الراهن سيفسح المجال أمام التشويه المضر بمستقبلنا الإبداعي وبهويتنا الأصلية”.

لعل الغد سيأتي بآخرين ينظرون إلى ما تركناه من تراث، كما ننظر اليوم إلى الأفريسك في الكهوف. ويرون أن منتجنا المعرفي هذا هو مجرد رسم على جلود الجواميس والغزلان وجدران كهوف القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر