السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

جاسوس في جيبي

قد لا يكون شركاؤنا كاملي الأوصاف، لكن غالبا ما يكون تواصلنا المباشر معهم عاملا مساعدا على تصحيح جوانب القصور في علاقتنا الزوجية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/12/02، العدد: 10473، ص(21)]

لم تكن خصوصيات الناس وأسرارهم الشخصية مفضوحة أكثر مما هي عليه اليوم في عصر التكنولوجيا الرقمية، التي أصبحت تدير حياة البشر، وتعرف عنهم أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، في حين كان من المفروض أن يديروها، بحكم أنها خارطة طريق اخترعوها وطوروها بهدف تسهيل حياتهم، ومن ثم التأقلم مع حقيقة أنهم كائنات عاقلة، وقادرة على التحكم في الأشياء التي ابتكرتها.

ولكن لا يبدو أن أصحاب العقول في راحة، بعد أن أصبحوا عالقين في شباك الإنترنت يقتلون الوقت، ومع الوقت تموت الكثير من الأشياء الجميلة في العالم المحيط بهم، ويدب الوهن والملل إلى جميع تفاصيل حياتهم، وربما ينتهي الأمر بهم وقد غرقوا أكثر فأكثر في المأزق الذي صنعوه بأنفسهم وأصبحوا أسرى له، من دون أن يقلل هذا الأمر من حقيقة أن الإنترنت تجربة حية للبشرية، لكن سوء استخدامها جعلها مأزقا.

وقد حدثت في السنوات الأخيرة طفرة إلكترونية كبيرة داخل المجتمعات أدت إلى تنوع وسائل الاتصال التي غيرت الكثير من التفاصيل في حياة الناس، وجعلت العالم أصغر من قرية إن لم يكن منزلا مفتوحة غرفه الواحدة على الأخرى، إلا أن هذا التقارب أنتج في الوقت نفسه سلبيات كثيرة داخل الأسر والمجتمعات.

لقد أصبح الكثير من الأشخاص يقضون أوقاتا طويلة مع الإنترنت على حساب الوقت الذي من الممكن أن يقضوه مع أزواجهم وأبنائهم ومع جميع الناس الذين يرتبطون معهم بعلاقات عاطفية واجتماعية.

سأسرد هنا قصة صغيرة قد تبدو مثالا يمكن القياس عليه، في كون التكنولوجيا الرقمية أفسدت العلاقة بين الأزواج وجعلت حياتهم أسرارا غامضة ومقفلا عليها بكلمات مرور على هواتفهم التي أضحت موضع خلاف دائم. فصديقتي تتحدث عما يغيضها في سلوك زوجها الذي يمنعها بشدة وصرامة، إلى حد معاملتها بقسوة أحيانا من أجل ثنيها عن مس هاتفه.

لقد اختار ذلك الزوج أن يضع ثلاث كلمات مرور على هاتفه من أجل شيء واحد لا غيره، يكمن في عدم اطلاع زوجته على ما يجري في عالمه الثاني الذي شغله عنها وأصاب حياتهما الزوجية بالفتور.

والمشكلة هنا، لا تكمن في فضول الزوجة ورغبتها الملحة في التلصص على زوجها، فجميع النساء تقريبا فضوليات بطبعهن، ولا ينتابهن أي تردد في التلصص على هواتف شركائهن، وتتبع تحركاتهم إذا ما شعرن بأنهم يخدعونهن أو حتى من دون أن يشعرن بذلك.

المشكلة الحقيقية هي في الإغراءات الكثيرة التي توفرها شبكة الإنترنت، والتي سهلت عملية الخيانة وفي عقر عش الزوجية، لأن الفاعلين يجلسون في المنزل ولا يحتاجون إلى تقديم الأعذار للخروج لملاقاة عشاقهم الافتراضيين.

كما أن العلاقة الافتراضية بالنسبة إلى الكثيرين أصبحت مغرية أكثر من العلاقة الواقعية، فبإمكانهم أن يكونوا مع من يريدون على الإنترنت وفي أي وقت، ومن دون أن يضطروا لتحمل مسؤوليات العلاقة الحقيقية.

وقد كشفت دراسات سابقة أن موقع فيسبوك كان في مقدمة المواقع التي تسببت في طلاق الكثير من الأزواج، يليه موقع تويتر وغيرهما، وهو ما يعني أن الإنترنت دخلت في قائمة أهم مسببات الطلاق.

والخطر الأكبر يكمن في أن الكثير من الأزواج يستسهلون نشر المعلومات الخاصة بحياتهم الشخصية على الإنترنت، بقصد أو بغير قصد، مثل تحركاتهم المختلفة، وأنشطتهم الجنسية، مفترضين أنهم طالما استعملوا أسماء مستعارة، فإنه من المستحيل معرفتهم وكشف هوياتهم، وهم في مأمن من تلصص شركائهم أو تجسس أعدائهم، اعتقادهم في الحقيقة وهم كبير، لأنه أصبح من السهل على “شياطين الإنترنت” تحديد الوقت والتاريخ والموقع الجغرافي والرقم المسلسل للهاتف الذكي، وجميع هذه العناصر يمكن بواسطتها رصد جميع تحركات الناس وحتى سكناتهم.

ولذلك علينا إعادة النظر في علاقتنا بالتكنولوجيا وبمختلف تطبيقاتها التي قد لا تتطابق أجندتها مع مصالحنا الشخصية وخصوصياتنا، وتكون سببا في تدمير علاقاتنا العائلية التي هي أساس مقومات حياتنا ومصدر سعادتنا الحقيقية.

قد لا يكون شركاؤنا كاملي الأوصاف، لكن غالبا ما يكون تواصلنا المباشر معهم عاملا مساعدا على تصحيح جوانب القصور في علاقتنا الزوجية، كما يساعد التحاور معهم على تصويب أخطائنا وأخطائهم.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر