الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

'وصول': متعة الحوار بلغة الكائنات الغازية

  • للغرباء الذين يجتاحون الكوكب لغتهم وأشكالهم وعوالمهم المجهولة، حيث علينا اكتشاف كل ذلك، وغالبا ما نسعى إلى إيجاد تماه ما بين تلك الكائنات المجهولة وبين كائنات نعرفها في مسعى لاكتشافها، إسقاط ما هو بشري على ما هو غير بشري ظل شغلا شاغلا وأمرا واقعا، ربما هي إحالات سوف تُفرغ الشكلين الفيلمي والشخصيات من إطارهما، حتى تكون الاستجابات عفوية إلى حد كبير، أما السؤال الذي تطرحه أفلام الخيال العلمي حول حقيقة تلك الكائنات، وما هي نشأتها وجذورها؟ ومن أين جاءت؟ فتلك إشكالية أخرى وكلها تسلط إضاءات على ثيمة الخيال العلمي المتجدّدة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/12/05، العدد: 10476، ص(16)]

تفكيك الطلاسم المشفرة يقود إلى النجاة

يشتغل المخرج دينيس فيلنيفو في فيلم “وصول” (إنتاج 2016) المأخوذ عن قصة قصيرة كتبها إيد شينغ على قوة خطوط السرد وعلى متانة المنظومة الصورية، ويؤسس ذلك على تواز بين ما هو مرئي بصريا وبين المتن القصصي/الدرامي.

هنا ثمة تكريس للسرد القائم على حوار غير مكتمل ما بين الدكتورة لويز (الممثلة إيمي أدامز)، وهي مختصة بالألسنية ولغة التخاطب مع الآخر، وبين كائنات مجهولة تجتاح الأرض وتلوح في سماء بلدان عدّة، ويلجأ الجيش الأميركي وهو في حالة من الهلع إلى الدكتورة لويز لفكّ طلاسم تلك الكائنات.

ترفض لويز في البداية، ولكنها سرعان ما تتقبل المهمة وتمضي بها إلى نهاياتها عندما تجد نفسها في وسط دوّامة لا قرار لها، فتلك الكائنات قابلة للحوار وإرسال إشارات ما إلى الكوكب الأرضي.

الزمن غير محدد، ذلك الذي تعوم فيه الشخصية، وهي تتناهبها خيالات وذكريات تتعلق بالحياة اليومية السابقة مع صغيرتها التي ماتت من جراء إصابتها بالمرض الخبيث.

بموازاة ذلك، وجدنا أن الفيلم كان مشحونا بكثافة صورية ملفتة للنظر، وبدت لعبة التعارف ما بين لويز والشخصيات الغازية من خلال الحوار خطوة باتجاه خطوط سردية أخرى كثيفة.

الكثافة الصورية تم فيها استخدام حوارات الكائنات المجهولة مع لويز، حيث تنتشر مشاعرها وآراؤها من خلال نفث ما يشبه الحبر في الماء كلما تفاعلت لويز معها، حتى أنها وسط تلك الكثافة الصورية تستكشف قدرة الحواس على الإفصاح عن مكنونات الذات، وهو ما سوف تندهش له، فكيف تمكنت بكل عفوية من الوصول إلى ذلك النوع الفريد من التفاعل.

لويز التي فقدت ابنتها سوف يعيد لها ذلك الحوار مع الكائنات المجهولة إمكانية رؤيتها، وهو ما ينعش روحها ويرسم لنا خطا سرديا جديدا وغير متوقع.

مصدر الاستمتاع في الفيلم يكمن في الفسحة التأملية والاكتشاف الذي انطوى عليه تفاعل بطلته مع الغرباء

في البناء الفيلمي نجد ذلك التتابع الصوري أو ما نسميه المنظومة الصورية التي لا يمكن المرور والتسليم بها كيفما كان، هناك نمو يشمل القسم الأول من الفيلم الذي يتركز على تردد لويز في قبول المهمة أولا، ثم حوارها مع جنرال من الجيش (الممثل فوريست ميتاكر) الذي يريد إقناعها بالقيام بالمهمة، وكأنها من خلال ذلك التدفّق الصوري تروي لنا معطيات أشبه بالرموز والأحاجي، لكن ما تلبث أن تؤكد سلميّة المهمة وأنها تستقصي بعض المعلومات.

العالم كله على شفير كارثة بسبب هجوم تلك الكائنات الغريبة، الصين في الأقل سوف تجهّز قواتها لمواجهة الخصوم وتعلن عن ساعة الصفر، بينما لويز لا ترى في الختام من جدوى من الحرب أو الصراع، مع أن القصة أبعد ما تكون عن المألوف.

ربما يكمن مصدر الاستمتاع في الفسحة التأملية والاكتشاف الذي انطوى عليه التفاعل مع الغرباء، وقدرة لويز على الدخول إلى عوالمهم، حيث يبدون كما لو أنهم محمّلون برسالة ما يريدون إيصالها إلى البشرية ثم ينصرفون، هي متعة الحوار مع الكائنات الغازية على أي حال، وبذلك تكاملت منظومة بصرية سردية محورها الشخصية الدرامية الرئيسة لويز، في مقابل شخصيات افتراضية وخيالية هي الغرباء، أما من الجهة الأخرى فهنالك شخصيات موازية، ولكنها لا تفعل الكثير من أجل تصعيد الدراما، مع أن حالة الهلع شاخصة من انتشار الغرباء بكل ثقة بالنفس على جميع القارات.

المعالجة الفيلمية تحفر عميقا في الذاكرة واللاوعي في ما يخص لويز وجعلها على صعيد الصورة جزءا لا يتجزأ من منظومة متكاملة.

مع هبوط أو صعود الدراما واحتدام المواجهة مع الغرباء تبقى منظومة السرد متماسكة إلى حد كبير، مع أن القصة تنحو في بعض الأحيان منحى يفترق عن الإشكاليات المعتادة التي درجت عليها أفلام الخيال العلمي.

على صعيد البناء المكاني، كان الاشتغال على فرضية التنويع، لكننا واقعيا لا نلمس خروجا على النمطية المكانية، ما بين مقرات الجنرال وبين مكتب الدكتورة لويز، ثم التماهي والحوار مع الشخصيات الغرائبية من خلف حاجز زجاجي، هنا لم يجر الاشتغال الدقيق على الخصائص المكانية، بل جعلها جزءا من نمطية سائدة في الكثير من الأفلام التي يمكن إدراجها بعيدا عن الخيال العلمي.

حاول المخرج الإحاطة بجميع خطوطه السردية مرة واحدة، وفي كل الأحوال أنجز فيلما متماسكا ومنطقيا مع بعض الهنات التي قادت إلى الإيقاع الرتيب في بعض جوانبه.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر