الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

تونس.. الإرهابي التائب

القراءة الاستخباراتية المحلية والإقليمية والدولية تمنح للمتابع مروحة تحليل قوامها أنّ كافة مقدمات رجوع الرعيل الأوّل من إرهابيي داعش صارت مستوفاة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/12/06، العدد: 10477، ص(9)]

قد يكون التصريح الصحافي الذي أدلى به الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لوكالة الصحافة الفرنسية خلال جولته الأخيرة بين باريس وبروكسل، التصريح الأهمّ والأخطر خلال ولايته الرئاسية الحالية.

فلأوّل مرة، يدقّ السبسي ناقوس الخطر من موجة الإرهابيين الراجعين إلى تونس، بتلك القوّة معترفا بأنّ كافة سجون تونس عاجزة عن استيعاب الإرهابيين الذين باتوا الخيط الناظم لكلّ دولة تعيش ويلات الدمار.

اختيار الرئيس التونسي العاصمة الفرنسية والعاصمة البلجيكية للإدلاء بهذا التصريح يكشف في طياته الأولى وفي قراءاته البكر، توصيفا للمرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس والمخاطر الأمنية والإرهابية المحدقة بها، وبين سطور التشخيص حضّ رسمي على المزيد من المساعدة المالية ودعوة لتكريس تعهدات الاستثمار وترجمتها على أرض الواقع المعيش. مواطن شغل حقيقية للشباب تزيح عن كاهله، ولو قليلا، شبح الاغتيال المعنوي والانتحار المادي.

القراءة الاستخباراتية المحلية والإقليمية والدولية تمنح للمتابع مروحة تحليل قوامها أنّ كافة مقدمات رجوع الرعيل الأوّل من إرهابيي داعش صارت مستوفاة، بدءا بمعركتي الموصل والرقة، ومرورا بالتقاطع الروسي والسوري الإيراني على حسم المعركة في غالبية الجغرافيا الشاملة، وليس انتهاء بإعلان الطلاق الرسمي لزواج المتعة الذي جمع في حقبة من الزمان السياسي في الشرق الأوسط، نظام أردوغان بالجماعات الإرهابية.

دون نسيان، وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والموجة “الشعبوية” في أوروبا والتي لن تخدم مصالح الجماعات الإرهابية، بل ستمنح الأنظمة في الشرق الأوسط صكّا على بياض لإنهائها أيا كانت الخسائر البشرية والمادية، والأكثر من ذلك أنّها لن تتوانى في استثمار الإرهاب للتضييق على الأقليات المسلمة وتحويل الأخيرة إلى شماعة لدعواتهم العنصرية.

ولئن نجحت المؤسسة الأمنية والعسكرية التونسية في تحييد البلاد والعباد من عمليات إرهابية موجعة، فإنّ استمرار الوجع الليبي على حالته من الاهتراء والضعف، وتحوّل ليبيا إلى أرض استقطاب واستجلاب واستدرار لكافة المجاميع الإرهابية والنصف إرهابية في ظلّ غياب الدولة المحاربة للإرهاب وحكم الشرعيات المحاربة للدولة، يضعان تونس دائما على فوهة بركان متحرّك لا يعرف لحظة لفظه لشرارة الاضطراب واليباب.

تصريح السبسي يضعنا ضمن منظومة الرسالة الداخليّة حيث يكون المتقبّل فاعلا سياسيا محليا والهدف تهيئة الرأي العام المحليّ لمشروع “التوبة الشاملة”، وعرضه على من يبتغي الاستتابة تحت عنوان “الإرهابي التائب”، من أصحاب المقدس والمسدس.

ولئن كان الجزم بهذا المشروع مستعصيا حاليا نظرا لعدة اعتبارات، إلا أنّ التقاطع بين إقرار السبسي باستحالة استيعاب المنظومة السجنية لكافة العائدين، مع طلب رئيس الوزراء العراقي خلال لقائه بوفد صحافي تونسي، الحكومة التونسية للمزيد من التنسيق الثنائي لمعرفة مصير أبنائها من الإرهابيين سواء منهم المسجونون أو المحاربون على الميدان، إضافة إلى مدّ رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لإرهابيي داعش نصف عصا الزيتون، عبر الإشارة إلى أنهم يمثلون “الإسلام الغاضب” كلها مؤشرات تحيلنا إلى فرضية التحضير لطرح مشروع الاستتابة على الشاكلة الجزائرية.

ولن نجانب الصواب إن نزّلنا مقاطع الفيديو والصور الدعائية لكتيبة عقبة ابن نافع الإرهابية المتمركزة في جبال الشعانبي في سياق إعلان التنظيم الإرهابي عن رفضه القاطع لمشروع التوبة وللاستمرار في مسلكية محاربة الدولة، أرضا ومؤسسات وشعبا.

الملاحظ أنّ الإعلام الذي يشتغل وفق عقل الفاعل السياسي في الكثير من الأحيان، احتفى مؤخرا بالإرهابي السابق طارق المعروفي مقدما إياه للرأي العام بأنه “إرهابي تائب” وهي تسمية لا تعكس حقيقة الشخص، ولكنها تصوّر طبيعة النموذج المبتغى والمثال المراد تعميمه على كافة إرهابيي تونس.

غير أنّ الأكثر أهمية من كل ما سبق كامن في المقابل السياسي الذي تظفره النهضة من وراء مشروع التوبة، والمقابل المعنوي الذي ستقبل به النهضة لصالح النداء في حال تمرير الفكرة والمشروع.

تتحدّث بعض القراءات السياسية عن قبول بقانون المصالحة الاقتصادية مقابل مشروع التوبة، غير أنّ الأصح القول إنّ المقايضة، إن تمت، ستكون وفق مقولة التخلي عن حقوق تونس الاقتصادية مقابل السكوت عن جرائم النهضة في التسفير والتحريض على القتال والجهاد. أو قل هي مقايضة الإرهاب الأبيض بالإرهاب الأسود.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر