الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الصغار كالكبار يحتاجون إلى الأصدقاء

  • حوار الطفل المباشر مع أصدقائه يمنحه العديد من الفرص الثرية والمواقف الحياتية الطبيعية لتطوير لغته وتنمية شخصيته، ويكسبه مهارات التكيّف مع مختلف الأوضاع الصعبة التي تواجهه في الحياة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/12/06، العدد: 10477، ص(21)]

صداقة الأطفال لا يعكر صفوها دخان الحروب

دعا خبراء الآباء إلى ترك المجال لأطفالهم لتكوين صداقات من خلال السماح لهم باللعب في الهواء الطلق، بدل إلهائهم بالأجهزة الإلكترونية التي يمكن أن تحد من قدرتهم على بناء علاقات اجتماعية، وتضعف رغبتهم في اكتشاف العوالم المختلفة المحيطة بهم.

وأشاروا إلى أن الصغار كالكبار في حاجة إلى تكوين علاقات صداقة، يستطيعون من خلالها تنمية مشاعرهم العاطفية والاجتماعية، واكتساب مهارات التكيّف مع مختلف الأوضاع التي تواجههم في الحياة، وتساعدهم على اكتساب روح المبادرة والإقدام والمرونة والاعتماد على النفس. ويقول علماء الأنثروبولوجيا، إن الصداقة بين البشر كانت القوة الدافعة لتطور الإنسان عبر العصور. فأسلافنا لم يتمكنوا من قهر المجاعة والمرض إلا من خلال التعاون المشترك بينهم. ولذلك فإن الطفل بدوره في حاجة إلى شبكة من العلاقات التي يمكن أن تخلق له تجارب لتطوير الكثير من المهارات المهمّة والنافعة في الحياة.

الأصدقاء وشبكة العلاقات الاجتماعية يمكن أن يمثلا علاجا فعالا لأمراض العصر النفسية التي لم تعد تقتصر على الكبار بل انتشرت أيضا في صفوف الأطفال

وقال فريق من الباحثين البريطانيين إن لعب الطفل مع أقرانه يساعده على تعزيز صحته الجسمية والنفسية، فضلا عن أن ذلك (اللعب) سيمكنه من التدرب على التفاوض والتخطيط والتفكير الاستراتيجي واتخاذ القرارات. كما تتيح الصداقة للطفل الفرصة لتطوير لغته من خلال تبادل الآراء والحديث المتواصل الذي ينشأ بينه وبين رفاقه في اللعب، وكل ذلك من شأنه أن يمنحه العديد من الفرص الثرية والمواقف الحياتية الطبيعية، التي يمكن أن تؤثر في تكوين شخصية متوازنة ومنفتحة على الرأي والرأي الآخر.

وتأتي هذه الدراسة في وقت يزداد فيه الجدل حول أضرار الأجهزة الرقمية، إذ أن هناك من يجادل بأن الأجهزة الحديثة قد أنتجت جيلا لا يقرأ ولا يخرج من المنزل إلا قليلا، بسبب تركيزه على التقنيات الحديثة التي يمكن أن تكون مصدرا لا ينضب للمعلومات المفيدة، ولكنها في نفس الوقت تعد مصدرا فتاكا بعقول الصغار نظرا لتأثيرها السلبي على مستوى الذكاء وإسهامها في الانتقاص من قدرة الإنسان على تطوير مهاراته الاجتماعية، خاصة أنها تعيقه عن تكوين الصداقات وتوسيع رقعة الاتصال بالناس.

وتقول الأبحاث الحديثة إن الأجهزة لا يمكن أن تكون بديلا عن التفاعل الحقيقي بين الأطفال وأقرانهم، نظرا لأنها تمنعهم من التفاعل المباشر مع أقرانهم الذين يمثلون اللبنة الأساسية لتطوير المهارات الاجتماعية. ويرجح العلماء أنه إذا لم تتح الفرصة للطفل لتكوين أصدقاء في مراحل مبكرة من العمر، فإنه حتما سيعاني من اضطرابات في التحدث وفي التفاعل العاطفي مع الآخرين.

وأوضحت دراسة أميركية أجريت على الفتيات ونشرت في “الدورية العلمية”، أن الفتيات اللاتي يقضين معظم الوقت في التنقل المحموم بين المواقع الاجتماعية كفيسبوك ويوتيوب والتواصل عبر الشبكة العنكبوتية أو إرسال رسائل نصية، قد يواجهن مشكلة الاندماج في المجتمع الطبيعي. وأشار الباحث كليفورد ناس من جامعة ستانفورد، إلى أن الدراسة رغم اقتصارها على الفتيات، فإن نتائجها ينبغي أن تنطبق على الفتيان أيضا، نظرا لأن تحليل التطور العاطفي بين الذكور يتسم بصعوبة أكثر باعتبار التفاوت الشاسع في مراحل تطوره على مدى فترة زمنية أطول.

توماس هاوس: الصداقات تساهم في تقليص انتشار الاكتئاب وهي طريقة غير مكلفة

وقال “على الأطفال التعلم بشأن العاطفة، والطريق الأمثل للقيام بذلك هو إيلاء اهتمام خاص لأشخاص آخرين بالنظر مباشرة إلى أعينهم.” وأضاف ناس “لا نتعلم أشياء مهمة فحسب بالتواصل المباشر مع البشر، بل نتعلم مهارات اجتماعية.. ونتعلم بشأن العاطفة.” وأكد الباحث أن المهارات الاجتماعية يتعلمها الأطفال عبر التخاطب المباشر وجها لوجه وليس عبر التحادث مع البعض أثناء اللهو بجهاز “آي بود”، لأن المواقع الاجتماعية لا يمكن أن تكون بديلا عن التواصل المباشر.

كما وجدت الدراسة أن الفتيات اللاتي يتفاعلن شخصيا مع الأصدقاء والعائلة أقل احتمالا بأن يواجهن خللا في التأقلم مع المجتمع. وتؤكد الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد، أن وجود الأصدقاء في مرحلة الطفولة يشعر الطفل بالأمان، ويرسخ لديه مفهوما جيدا عن ذاته، وينمي قدراته الاجتماعية، كما يزيد من قدرته على التحكم في مشاعره، ويحفزه على المنافسة وحب التفوق الدراسي. ويذهب العلماء إلى أكثر من ذلك في تأكيدهم على ضرورة منح الطفل الفرصة لإقامة علاقات صداقة، لأن وجود الأصدقاء في حياته يمكن أن يساعده على تخفيف الشعور بالاكتئاب والقلق الذي قد ينتابه في مرحلة المراهقة.

وشددت إحدى الدراسات البريطانية على أن الأصدقاء وشبكة العلاقات الاجتماعية يمكن أن يمثلا علاجا فعالا لأمراض العصر النفسية التي لم تعد تقتصر على الكبار بل انتشرت أيضا في صفوف الأطفال. وأشار الباحث من جامعة مانشستر توماس هاوس إلى أن “التمتع بشبكة علاقات اجتماعية موسعة يمكن أن يكون طريقا فعالا لمعالجة مرض الاكتئاب”.

واستخدم الباحثون نموذجا رياضيا للتحقق مما إذا كانت حالة المزاج لدى نحو 2000 مراهق في الولايات المتحدة قد تكون عاملا معديا للآخرين. إلا أنهم لم يجدوا أي مؤشرات لعدوى في هذا الإطار، بل أثبتوا أن التمتع بشبكة واسعة من الأصدقاء المتزنين نفسيا يقلص احتمال التعرض للاكتئاب، كمايضاعف فرص تخلص الأشخاص المكتئبين من معاناتهم في غضون 6 إلى 12 شهرا.

وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، يعاني نحو 350 مليون شخص حول العالم من الاكتئاب. وقال هاوس “على مستوى المجتمع، من شأن التشجيع على الصداقات بين المراهقين زيادة احتمالات أن يكون لكل شخص عدد كاف من الأصدقاء المتّزنين كما يوفر ذلك حماية”. وأضاف “يسمح ذلك بتقليص انتشار الاكتئاب وهي طريقة غير مكلفة ومخاطرها متدنية”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر