الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

المغرب يحصن الجيش من التطرف

تجربة المغرب مع محاربة الإرهاب أظهرت أن التهديدات الأمنية يمكن أن تطال المؤسسة العسكرية، فالجماعات المتطرفة ترى أن أقصر الطرق إلى تنفيذ العمليات الإرهابية يتمثل في استقطاب عسكريين لديهم الخبرة والاطلاع على المواقع الحساسة في البلاد.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/09، العدد: 10480، ص(9)]

منذ شروع المغرب في تنزيل السياسة الدينية الجديدة قبل أزيد من عشر سنوات، عقب تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، وضع أمامه جملة أهداف ترمي إلى تحصين المجتمع من التطرف والفكر المتشدد، وشملت تلك السياسة إنشاء مؤسسات دينية جديدة وتجديد أساليب الوعظ والإرشاد الديني، وتأطير المسؤولين عن الخطابة، والتشديد على مراقبة المساجد، ووضعها تحت وصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تجنبا لسقوط المنابر في أيدي متطرفين، كما شملت تلك السياسة في السنة الدراسية الجديدة إدخال تعديلات على المقررات الدينية في مختلف مستويات التعليم.

ولم يكن من الممكن أن تظل تلك السياسة الدينية الجديدة، أو ما يسمى رسميا بإعادة هيكلة الحقل الديني، حكرا على المؤسسات المدنية، فالتطرف ليس آفة مقتصرة على مجال دون آخر، وقد أظهرت التجربة في عدد من البلدان الأوروبية في الأعوام القليلة الماضية أن أفرادا من الأمن أو من المؤسسة العسكرية يمكن أن يسقطوا في قبضة التطرف، وأن يتحولوا من حراس للأمن إلى مهددين للأمن الاجتماعي في الدولة.

ولتوسيع نطاق التحصين من التطرف ليشمل المؤسسة العسكرية بادر المغرب منذ سنوات عدة إلى تعيين وعاظ ومرشدين دينيين غير رسميين داخل المؤسسات التابعة للجيش، من أجل تلقين أفراده مبادئ الشريعة الإسلامية في إطار الاعتدال والوسطية، وتوعيتهم بالثوابت الدينية في البلاد. وتدرك الدولة أن حالة التدين تنتشر بشكل أفقي على مختلف شرائح المجتمع، كون المغرب بلدا إسلاميا، لذلك فإن الواجب يقضي بأن يتم ذلك التدين وفق المبادئ السمحة للإسلام بعيدا عن التطرف والتشدد والأفكار التي يمكن أن تهدد توازن الفرد والجماعة.

وقد بادرت وزارة الأوقاف هذا الأسبوع إلى فتح المجال أمام مرشحين جدد لمهمة الإرشاد الديني، بحيث يكونون رهن إشارة القوات المسلحة الملكية، قصد القيام بأدوار الوعظ والإرشاد في صفوفها. وسوف يخضع هؤلاء المرشحون للتكوين في المجال لمدة سنة كاملة، يتم بعدها توظيفهم كمرشدين.

جاءت هذه الخطوة في سياق التجاوب مع التعليمات الملكية التي وجهها العاهل المغربي الملك محمد السادس في شهر مايو من السنة الماضية إلى المؤسسة العسكرية، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، حيث أكد على أهمية تأهيل الإرشاد الديني والرفع من جودة تأطير القرب للقوات المسلحة، بهدف تحصينها “من كل التأثيرات الضالة والتجاذبات المتنافية مع الثوابت الدينية للأمة المغربية، وصون هويتنا الإسلامية المعتدلة وحفظها، وترسيخ الوعي الديني المتوازن لدى جنودنا”، انسجاما مع الخصوصية المغربية في التدين.

وقد أظهرت تجربة المغرب مع محاربة الإرهاب في السنوات الماضية أن التهديدات الأمنية يمكن أن تطال المؤسسة العسكرية، فالجماعات المتطرفة ترى أن أقصر الطرق إلى تنفيذ العمليات الإرهابية يتمثل في استقطاب عسكريين لديهم الخبرة والاطلاع على المواقع الحساسة في البلاد، ويمكن أن يستعان بهم في الإضرار بالأمن. وفي عام 2008 تم تفكيك شبكة متطرفة كانت تطلق على نفسها اسم “أنصار المهدي”، ضمنها أفراد من الجيش كانوا يسعون إلى توفير العتاد والتدريب لأفراد الخلية، قبل أن يتم اعتقال أفرادها. وقد سلط اعتقال تلك الخلية الضوء لأول مرة على المخاطر المحدقة بالمؤسسة العسكرية، ونبه الدولة إلى ضرورة العمل على تحصينها.

نفس التجربة أيضا تكررت عام 2011، عندما جرى تفكيك شبكة متطرفة تتكون من سبعة وعشرين عنصرا، وتم العثور بحوزة الشبكة على مجموعة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات بمنطقة امغالا في الصحراء، قريبا من مدينة العيون كبرى المدن الصحراوية، كما عثر بحوزة المعتقلين على خرائط طوبوغرافية للحدود المغربية، وكانت تلك المرة الأولى التي يتم فيها العثور على أسلحة لشبكة متطرفة، كون المنطقة تقع على الحدود وتعد منطقة عسكرية، الأمر الذي ألقى ظلالا من الشكوك حول مصادر تلك الأسلحة وطرق الحصول عليها.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر