الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الحب في سوق المقايضة

المال ليس غاية في حد ذاته، بل يجب استثماره واستغلاله بطريقة نافعة عندما يتوفر، لا متعة في المال إلا عندما يمنحنا الاطمئنان والسعادة الخالصة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/12/09، العدد: 10480، ص(21)]

تقول الحكم والأمثال القديمة في جميع ثقافات العالم “إن الحب لا يمكن أن يُشترى بالمال”، ولكن يبدو أن جميع المفاهيم والقيم قد انقلبت في عصرنا الحالي، فقد أصبح لكل شيء ثمن وتسعيرة، فحتى الحب ومشاعر الناس دخلت في سوق المقايضة، وبات ميزان القلب لا يرجح غير أصحاب الثروة والسلطة والشهرة.

ربما لو سألنا بنات اليوم عن الصورة الذهنية لفارس أحلامهن، فسيرسمن صورة طبق الأصل من شخصيات شهيرة أو من أصحاب الملايين، وسيكون المظهر سيد الموقف وليس الجوهر في خياراتهن الخيالية لشركائهن المستقبليين.

ومعهن بعض الحق، فالمجتمع كرس فينا حب المظهر، وعلمنا الحكم على الأشخاص من مظهرهم، فماركة الملابس وتسريحة الشعر ونوعية العطر..، جميع هذه أشياء تجعلنا نطلق أحكاما مسبقة ومتحيزة على الناس حتى من دون أن نعرفهم عن كثب ونختبر سلوكياتهم وطباعهم.

وفي الكثير من مجتمعاتنا أصبحت الخيارات العاطفية تعدّل وفقا للاحتياجات المادية، وليس بناء على ميولنا وأحاسيسنا، فالمال لم يعد قوام الأعمال فحسب، بل وسلطانا على القلوب، والواصل الفاص في المشاعر، وله القدرة المطلقة على شراء جميع الأشياء بما في ذلك البشر وقلوبهم وأجسادهم وذممهم، وبمقابل بخس أحيانا.

لقد أصبح المال يتصدر أعلى الدرجات في سلم الأولويات عند قرار الزواج، فمن بحوزته المال يستطيع شراء الحب ودفع المال مقابل الحصول على الشريك الذي يريد، أما من لا يمتلكه فقد يموت على عزوبيته. ليس من العيب السعي وراء المال بهدف تغيير نمط الحياة، فهذا من أجمل الطموحات والآمال، ولكن أحيانا يتلبس الطموح عند البعض بنزعة الطمع والجشع، فتدفعهم الرغبة الجامحة في الحصول على المزيد من الأموال إلى التنصل من قيمهم ومبادئهم الأخلاقية والاجتماعية.

وهناك نماذج متعددة لعلاقات زوجية قامت بالأساس على حسابات مادية، وأخرى انهارت للأسباب نفسها، كما تسببت الماديات في تأجيل العديد من الزيجات إلى أجل غير مسمى، أو في بطلانها من الأساس.

وسأسرد هنا قصة لابنة جيراننا التي منت النفس ورسمت في ذهنها صرحا من الأحلام بالحياة الزوجية المليئة بالثراء والرخاء، التي وعدها بها خطيبها بعد أن يعود إليها محملا بالثروات والهدايا النفيسة من الفردوس الأوروبي، ولكنه عاد إليها بعد عشر سنوات جثة هامدة، وفاجعتها لم تنته عند خبر وفاته ودفن أحلامها مع رفاته، بل وقع الخيبة كان مضاعفا حين اكتشفت أنه لم يبق على حبها، وأن سحر المال أغراه فنقض كل وعوده الوردية، وتزوج من امراة أجنبية ثرية وأنجب منها، فيما بقيت هي تعيش كل هذه السنوات على أمل كاذب.

هذا نموذج بسيط على أن المال لا يشتري السعادة، وهناك الكثير من الأشياء المهمة في الحياة التي لا ترصف في رفوف المحلات لنقتني منها ما نريد، وهي العائلة والحب المتبادل بين الزوجين والاحترام وراحة البال… بالطبع كل شخص يحتاج إلى قدر معين من المال لكي يعيش، ولكنه حين يجمع ثروة من أجل فكرة جمع المال وحدها، سيخسر في مقابلها حب الناس الحقيقي، وسيكون أغلب المحيطين به يتطلعون للاستفادة منه ماديا، وسيصعب عليه وقتها معرفة الصاحب من المتملّق.

المال ليس غاية في حد ذاته، بل يجب استثماره واستغلاله بطريقة نافعة عندما يتوفر، لا متعة في المال إلا عندما يمنحنا الاطمئنان والسعادة الخالصة.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر