الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

شقراء الحفلة

شقراء الحفلة وظيفة لا يعلن عنها أحد لكنها مشغولة دائما. هذه وظائف خالدة يتم الاتفاق على شغلها ضمن تفاهمات طبيعية. هي من الأمور الجميلة التي تقع باللحظ والإيماء.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/12/13، العدد: 10484، ص(24)]

الكل يشتكي من البطالة وانعدام الوظائف. والكل يعني بشكواه الوظائف ذات الرواتب الشهرية أو الأسبوعية. لكن الوظائف من حيث كونها وظائف موجودة دائما في كل مجتمع أو فعالية بشرية. وهناك، مثلا، وظيفة دائما تجد من يشغلها وهي شقراء الحفلة، وهناك طبعا وظيفة أبله القرية وخضراء الدمن وسمراء من قوم عيسى إلى آخره.

ففي كل حفلة هناك شقراء ترتدي فستانا أحمر أو أسود ليبرز شقرتها، وغالبا ما يكون ضيّقا وقصيرا ويندرج ضمن مجهود صاحبته في الوصول إلى الهدف الأسمى: الحصول على فستان بشراء متر واحد من القماش. وهذا هدف نبيل ضد الإسراف ومع حماية البيئة ويحمي الاقتصاد الوطني بشكل أو بآخر.

والحق أن السعي نحو التقتير في استخدام القماش للتنورات والفساتين ليس حكرا على شقراوات الحفلات. أعرف الكثير من البنات ممن يؤمنّ بالإيجاز في الملابس وكلهن يرفعن شعار “يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق”، وهو مثل عربي وقور ومحترم. وتقول العرب أيضا “البلاغة الإيجاز″.

وعندما نقول شقراء لا نعني شقراء “شرعية” بالضرورة. والشقراء الشرعية هي تلك التي شعرها أشقر بالولادة ولا تضع ألوانا أو بيروكسيد، والشقرة غير الشرعية هي السائدة في الوطن العربي لأسباب جينية لا علاقة لها بالمبدأ أو الدين أو المعتقد السياسي. هنا تجب الإشارة إلى أن شقراوات العرب غير الشرعيات شقرتهن في لون الشعر وليس في ملمسه ورقته وانسراحه، لذلك تراهن ورؤوسهن مكللة بلبدة مثل الأسد.

الشقراء معروف عنها أنها بلهاء وهناك فصيلة كاملة من النكات تسمّى نكات الشقراوات. وبسبب سمعة البلاهة هذه تزداد جاذبيتهن في عيون الرجال. الرجال يحبون المرأة البلهاء. ومن المحزن حقا أن نرى فتيات ينفقن الجهد والوقت في طلب الثقافة والذكاوة. من يأبه للمولعة بفاجنر أو محبة لبرامز في الحفلة؟ المرأة التي تتحدث عن تعويم العملة، ما لها وما عليها، ينفر منها الرجال ويتحلقون حول الشقراء البلهاء التي تحب الزهور المطرّزة على الأغطية والوسائد وتحب أيضا العصافير المزقزقة والأرانب البيضاء والفراشات وهي ترتشف رحيق الزهور.

الذي يحرك رغبات الرجال في البلهاء هو أنها ممكن التغرير بها. دائما أحسست أن هذا سبب إغراء مارلين مونرو التي طالما بدت سهلة الانقياد وساذجة وتضحك بسهولة وتبكي بسهولة أيضا.

شقراء الحفلة وظيفة لا يعلن عنها أحد لكنها مشغولة دائما. هذه وظائف خالدة يتم الاتفاق على شغلها ضمن تفاهمات طبيعية. هي من الأمور الجميلة التي تقع باللحظ والإيماء. لم أقرأ يوما إعلانا صادرا عن قرية ما تطلب فيه أن يتقدم من يريد لمنصب أبله القرية، ومع ذلك تجد أبله في كل قرية جالسا على سياج بيت أو مزرعة يلوك عود قش أستله من حصيرة كما يجدر بأي أبله.

هذا موسم الحفلات في المنازل في أوروبا. لن أقصد أي حفلة لكني واثق أن هناك شقراء يتحلق حولها الرجال المدعوون في كل حفلة ومواصفاتها تظل الشقرة والفستان الصغير والضحك المتصل.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر