الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الصامت العراقي في مرمى العنف

الطفل العراقي يقف اليوم وحيدا في مرمى العنف المتعدد الأوجه والأطراف، ويحيط به الخوف واليأس ويخشى الاستهداف المتعمد من قبل المجموعات الإرهابية في كل مكان، ولا يشعر بالأمان لا في منزله ولا في مدرسته.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/12/16، العدد: 10487، ص(21)]

هل يمكن أن يصل كره زوجة الأب لأبناء زوجها إلى حد الإقدام على تعذيب فتاة صغيرة لم تتجاوز الخامسة من العمر، وقتلها حرقا بالماء الساخن؟

والأنكى والأقبح من ذلك كله، أن يكون الأب شريكا خسيسا في الجريمة البشعة التي ارتكبتها زوجته، ويطاوعه قلبه على جلد وتجويع فلذة كبده التي لا حول ولا قوة لها، فتفارق الحياة تحت سياط التعذيب الوحشي الذي نكّل بجسدها الصغير وأدمى روحها البريئة.

والسبب أنها أرادت أن تلهو وتلعب مثل بقية أقرانها، ولكن ذلك لم يسر قلب زوجة الأب المليء بالحقد والضغينة، إلى درجة أنه لم يبق فيه مكان ليرحم أو يشفق على فتاة صغيرة، لم ترتكب في النهاية أي ذنب تستحق من أجله العقاب.

وعوض أن يكون الأب رحيما بابنته، فيدرأ عنها ضيم زوجته وقسوتها، تجرّد من كل مشاعر الأبوة وأصبح جلادا ثانيا، تحالف مع زوجته للانتقام من ابنته التي فارقت الحياة متأثرة بتلاوين التعذيب الذي تعرضت له من كليهما. أي مفارقة هذه! الأب ينكّل بطفلته الصغيرة عوض أن يحتضنها ويحميها وبروحه يفديها. ما أروع ما قاله الكاردينال أرماند ريشيليو “لا يغفو قلب الأب، إلا بعد أن تغفو جميع القلوب”، ولكن قوله لا ينطبق على مثل هذا الأب الذي وضع بدل قلبه قطعة حجر أصم.

حكاية زهراء التي أزهقت روحها زوجة أبيها في محافظة المثنى جنوب العراق حرقا بالماء الساخن وبالضرب والتجويع، وبمشاركة والدها وتناقلتها الأسبوع الماضي العديد من وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، جميع تفاصيلها حقيقية.

مأساة زهراء تقدم لنا صورة مشوّهة عن زوجة الأب، لكن لا يجب أن ننظر إليها على أنها صورة عامة، فكم من زوجة أب كانت بمثابة أم حقيقية، هذه الحالة شاذة والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه.

أما زهراء فليست حالة شاذة، فمعاناتها تكاد تلخص معاناة الآلاف من الأطفال في العراق، ممن يعانون من وطأة العنف الأسري الذي ساهمت في استفحاله الظروف الاجتماعية والصراعات السياسية والتخلف الاجتماعي المتفاقم عند الكثير من الأسر التي مازالت تعتقد أن الضرب طريقة جيدة لتربية الأطفال وتأديبهم، وتجهل أن الأخطاء التي يرتكبها الأطفال هي جزء من عملية تطورهم الطبيعية، وأن ارتكاب الأطفال للأخطاء يعلّمهم التمييز بين الخطأ والصواب، فيما يتسبب لهم الضرب والعنف في عاهات جسدية ونفسية طويلة المدى، وفي غالب الأحيان مستعصية العلاج.

ويثير وضع الطفل العراقي القلق، بل يدعو الحكومات التي تعاقبت على العراق إلى الخجل، فالطفل العراقي يقف اليوم وحيدا في مرمى العنف المتعدد الأوجه والأطراف، ويحيط به الخوف واليأس ويخشى الاستهداف المتعمد من قبل المجموعات الإرهابية في كل مكان، ولا يشعر بالأمان لا في منزله ولا في مدرسته، ولا في أي مكان من بلاده التي حاصصتها الأحزاب الطائفية واستوطنتها التنظيمات الإرهابية.

ويمثل التقرير الأخير لمنظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة “اليونيسف” وصمة عار على جبين السياسيين العراقيين ورجال الدين الذين لم تعد تشغل بالهم سوى المناصب الحكومية الرفيعة وجني الأموال، أما الواقع المزري لأجيال المستقبل، فلا يحظى بأي أهمية.

لقد كشفت المنظمة الأممية أن أكثر من 3.6 مليون من أطفال العراق (أي طفل من كل 5 أطفال في البلاد) تتهددهم مخاطر الموت والإصابة والعنف الجنسي والاختطاف والتجنيد القسري في صفوف المجموعات المسلحة.

كما أشارت أيضا في تقريرها الذي صدر تحت عنوان “ثمن باهظ للأطفال” إلى أن عدد الأطفال المعرضين للمخاطر ارتفع في الأشهر الـ18 الأخيرة بـ1.3 مليون طفل.

وتقول المنظمة إن 1496 طفلا اختطفوا في العراق في الأشهر الـ36 الأخيرة، أي بمعدل 50 طفلا في الشهر الواحد، وأجبر الكثير منهم على القتال أو تعرضوا للاعتداء الجنسي، فيما أجبر حوالي 1.5 مليون طفل على الفرار من مساكنهم نتيجة العنف منذ بداية العام 2014، ولمرات متكررة في بعض الأحيان.

إذا كان الطفل هو مستقبل العراق، فإن الإساءة إليه تعني بالضرورة الإساءة لهذا المستقبل.

وفي ظل هذا الوضع أي مستقبل ينتظر العراقيين؟ لقد تخلصوا من دكتاتور واحد فجاءهم المئات أكثر بطشا ودكتاتورية. يبدو أن مشكلات العراق لا يمكن أن تنتهي بتغيير الأشخاص بل بتغيير العقليات.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر