السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

نحن وسود العيونِ

كثير من أسرار المشرق، يعيش حولنا دون أن ينتبه الناس من غفلتهم ليتعرفوا إليه، فمن من العرب لم يسمع بأغنية “على العقيق اجتمعنا”.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/12/16، العدد: 10487، ص(24)]

جاء طلال ذات يوم من حلب. قال إنه يريد أن يعمل في الفن، فهو موهوب، كما قال. وقال إن مصلحته الأصلية في البناء والعمار، لكنه تتلمذ على يد أكبر شيوخ الطرب والقدود الحلبية في المدينة؛ صبري مدلل. على ماذا تدربت يا طلال؟ على المصلحة. يجيب الفتى. وما هي المصلحة؟ النقاشة. فكل نقاش يجب أن يأخذ الإذن من النقاش الأكبر الشيخ صبري قبل أن يمسك الفرشاة. وماذا عن الطرب يا طلال؟ الطرب أمر يأتي مع العمل، ويأخذ المتدرب الإذن بالغناء مع رخصة العمل، هكذا علّمنا شيخنا. يجيب طلال بكل ثقة.

وكان بإمكان أصحاب البيوت التي تُنشأ في حلب أن يستمعوا إلى كل أغنية عرفتها المدينة بتاريخها، وهم يراقبون تقدم المعمار في بيوتهم. فأغنية مثل “ابعتلي جواب” التي وضع كلماتها حسام الدين الخطيب، ولحنها مؤذن الجامع الأموي في حلب الشيخ بكري الكردي، كان يمكن معها كسوة شقة كاملة دون أن تنقطع انسيابية مقاماتها، يتبادلها العاملون، كلما انتهى واحد من قطعة في غرفة سلّم زميله مقطعاً آخر.

كثير من أسرار المشرق، يعيش حولنا دون أن ينتبه الناس من غفلتهم ليتعرفوا إليه، فمن من العرب لم يسمع بأغنية “على العقيق اجتمعنا”؟ لكن كثيرين لا يعلمون أن وجود تلك الأغنية إنما يعكس تفوّق المجتمع الذي أتاح استمرارها عبر القرون، رغم كونها من الممنوعات في ظاهر الظن. فقائل هذه الأبيات “عَلى العَقيق اِجتَمَعنا/ نَحنُ وَسودُ العيونِ/ أَظنّ مَجنونَ لَيلى/ ما جنّ بَعضَ جُنوني/ إِن مُتّ وَجداً عَلَيهم/ بِأَدمُعي غَسّلوني/ نوحوا عَلَيَّ وَقُولوا/ هَذا قَتيل العُيونِ/ أَيا عُيوني عيوني/ وَيا جُفوني جَفوني/ فَيا فُؤادي تَصبّرْ/ عَلى الذي فارَقوني”، ليس سوى الصوفي الشهير السهروردي، الذي يعتبر من أبرز الشخصيات القلقة في التاريخ الإسلامي. وقد حوكم ذات يوم في حلب بسبب أفكاره، لكن المدينة لم تتركه يمضي وشأنه، بل أخذت منه أجمل قصائده وجعلتها على كل لسان، غير مكترثة بالفتاوى والحظر والمنع.

تلك القدود نشأت في الأندلس، وقبل أن تنهار غرناطة كانت قد أرسلت بالقدود إلى حلب، لتصبح هذه المنظومات أكثر ما تعرف به المدينة. وتقول كتب التاريخ وعلم الموسيقى إن القد في اللغة هو القامة والمقدار. وفي هندسة المدينة صُهرت ثقافات عديدة على مقادير مختلفة، قبل أن تخرج أعمال مثل “ربّيتك زغيرون” التي كانت موشحاً معروفاً بعنوان “يا صفوة الرحمن” لعثمان الموصلي، وكذلك “يا طيرة طيري يا حمامة” لأبي خليل القباني الدمشقي. و”سيبوني يا ناس” لسيد درويش المصري. على مر أعوام عمل طلال كومبارساً ومتعهداً فاشلاً للبيوت وخياطاً ومطرباً مغموراً في مطاعم الشام، ومع أنه كان صاحب ملامح جادة، إلا أنه كان خفيف الظل أيضاً، فحين تسأله لماذا لا ترجع إلى حلب وتعمل هناك؟ يقول لك “وهل يصح أن أنافس معلّمي الشيخ صبري مدلّل؟ لكل شيخ طريقة”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر