الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

سؤال مهم

هناك سؤالا أكثر سخفا على الراغبين في الدخول إلى الولايات المتحدة، ولا بدّ من الإجابة عليه. السؤال سخيف، والمثل الإنكليزي يقول 'اسأل سؤالا سخيفا تلق ردا سخيفا'.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/12/20، العدد: 10491، ص(24)]

يقول المصريون باستياء أفهمه وأؤيده "هو السؤال حُرم؟"، وهذا تمسك بحق الإنسان الأبدي في السؤال. وهو حق لا يكفله الدستور للأسف. والسؤال كما نفهمه هو مجرد عبارة يقصد بها طلب معلومات لا أكثر. تتلقى سؤالا عن موقع موقف الأوتوبيس أو موعد مغادرة القطار أو كم الساعة الآن، فتجيب وينتهي الموضوع دون “نرفزة” وأعصاب. نتلقى يوميا العشرات من الأسئلة ونجيب وينتهي الأمر. هذا طبعا عن الأسئلة العادية وليس الأسئلة الفلسفية الوجودية.

الناس يحبون الأسئلة البسيطة والعادية جدا، ويكرهون سبر الأغوار والأسئلة المتعلقة بأسرار الوجود. أذكر مرة أن سيدة عجوزا اقتربت مني في موقف الحافلات وقالت “هل لي بسؤال صغير؟”، فقلت لها بأريحية، وكنت في مزاج معابث، “بل اسأليني سؤالا كبيرا إن شئت. اسأليني من فضلك عن سر الوجود، اسأليني عن المآل والمصير وعن معنى الحياة”. فقالت “لا شكرا أريد أن أسأل فقط عن الحافلة رقم خمسة، وهل تذهب إلى المستشفى العمومي؟”. ولا شك أن الأسئلة التي تبرعت بالإجابة عليها بدت سخيفة. فهي ترى أن وجود الإنسان بدأ بآدم وحواء وينتهي بالجنة أو النار ولا جديد في الحكاية.

إلا أن هناك أسئلة سخيفة نتعرض لها كلنا. في المطارات يسألونك سؤالا لا إبداع فيه ولا تجديد ويتكرر بشكل مقيت، يسألك موظف استلام الحقائب وتوزيع المقاعد على متن الطائرة “هل حزمت حقائبك بنفسك؟”، فتكون الإجابة عادة “نعم حزمتها بنفسي مضطرا، لأن الخدم في إجازة هذا الوقت من العام”. ويمضي هو في عمله يسأل هذا السؤال العشرات من المرات كل يوم، والناس يجيبونه بأنهم حزموا حقائبهم بأنفسهم.

وعرفت أن هناك سؤالا أكثر سخفا على الراغبين في الدخول إلى الولايات المتحدة، ولا بدّ من الإجابة عليه. السؤال سخيف، والمثل الإنكليزي يقول “اسأل سؤالا سخيفا تلق ردا سخيفا”. في استمارة الدخول بالمطار هناك سؤال يقول “هل في نيتك المشاركة في أعمال إرهابية أثناء الزيارة؟”. وأذكر أن صحافيا بريطانيا كتب في الاستمارة مجيبا “المشاركة في الإرهاب هو الهدف الوحيد من الزيارة”. فألقوا القبض عليه واحتجزوه ساعات في المطار. حاول أن يشرح لهم أن السؤال السخيف يستدعي جوابا سخيفا، فلم يستجيبوا وأخضعوه لتحقيق صارم وطويل. وأنا أعتقد أنهم لم يحملوا جوابه محمل الجد وإنما أرادوا أن يؤدّبوه.

في العالم وظائف كثيرة لأناس شغلهم الإجابة فقط على أسئلة، وهناك دوائر معينة اسمها الاستعلامات. هذه الدوائر منبثة في كل مكان، وموظفوها مدينون بمعيشتهم لرغبة الإنسان في الاستعلام. وفي مصر هناك عشرات الآلاف من مجيبي الأسئلة في مدخل كل عمارة سكنية واحد يقال له “البواب”.

يجلس البواب عادة في شبه إغفاءة، وتقترب منه وتقول “في أي دور شقة الدكتور رياض عبدالقادر؟” مثلا أو عبدالرحيم عيسى، إن شئت، فيجيبك دون أن يفتح عينيه “الرابع” ثم يردفها بالقول “أي خدمة ثانية؟” على اعتبار أن نطق كلمة “الرابع” كانت خدمة أولى.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر