الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

كتاب الدين يفرق المجتمع المصري

أغلبنا يغفل السبب الحقيقي لتلك الفظاعات التي تدمي القلوب، والتي أصبحت مشهدا معتادا في مجتمعاتنا العربية، وربما لا ندرك إلا متأخرا أنها لم تأت من فراغ، وأنها نتاج طبيعي لفكر متطرف يعيش في الخفى والعلن بيننا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/12/23، العدد: 10494، ص(21)]

عند متابعتنا لأعمال العنف والجرائم البشعة التي ترتكب هنا وهناك من قبل التنظيمات الإرهابية، كم نشعر بالاشمئزاز والحنق من بشاعة بعض الأنواع من البشر الذين تحولوا إلى ذئاب مفترسة، تنكّل بالأبرياء وتسفك دماءهم من دون رحمة أو شفقة.

وربما يتبادر إلى أذهان الكثيرين في تلك اللحظات العصيبة سؤال يحيّرنا ولا نجد له جوابا يبدد حيرتنا، حول الأسباب التي تجعل الإنسان، الذي من المفروض أن يكون رحيما ببني جنسه، يتحول إلى وحش كاسر في هيئة إنسان، ويفتك بجميع الناس حتى أقرب الناس إليه.

للأسف، أغلبنا يغفل السبب الحقيقي لتلك الفظاعات التي تدمي القلوب، والتي أصبحت مشهدا معتادا في مجتمعاتنا العربية، وربما لا ندرك إلا متأخرا أنها لم تأت من فراغ، وأنها نتاج طبيعي لفكر متطرف يعيش في الخفى والعلن بيننا، ويسلك طريقه إلى عقول الأطفال والشباب بكل سلاسة ويسر، ويجد منابر وأبواقا، تسهل عليه عملية الانتشار والتغوّل.

وفي الحقيقة، لا يمكن الاستهانة حتى بهوامش الخطابات الأيديولوجية والديماغوجية التي أصبحت تدخل الكتب المدرسية وتصل منها إلى عقول التلاميذ، فتزيد في تعقيد فكرة التعايش السلمي في العديد من المجتمعات التي تتعدد فيها الإثنيات.

ومؤخرا أحدث وصف الإعلامي المصري، تامر أمين، بـ”الكارثة” تفسير سورة الفاتحة في كتاب التربية الإسلامية لتلاميذ السادس الابتدائي، جدلا كبيرا في مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أكد له ضيف برنامجه النائب البرلماني القبطي السابق، إيهاب رمزي، أنه تم تفسير معنى “غير المغضوب عليهم ولا الضالين” على أن الضالين هم “النصارى” والمغضوب عليهم هم “اليهود”.

وكما هو معلوم، فالمجتمع المصري متعدد الإثنيات القومية والدينية والمذهبية، ومن المفروض أن يكون كتاب التربية الإسلامية منبرا لوحدة الشعب المصري، وتشع منه قيم التسامح وتقبل الآخر، ويروج لثقافة التعايش والقيم المدنية، بدلا من أن يتعمد زرع التفرقة والكراهية في عقول النشء ويملأ قلوبهم بالكراهية.

وهناك الكثير من المعتقدات المشتركة، بين جميع الديانات وكان من المفروض أن يكون الكتاب دليلا جامعا للنصوص المتشابهة في القرآن والإنجيل والتوراة، عوضا عن التفسيرات المتناقضة، التي من شأنها أن تحدث فرقة داخل الشعب الواحد.

وبغض النظر عن الخطأ والصواب في ما نقله الإعلامي وضيفه عن تفسير الصورة وموقفهما الشخصي من ذلك، فإن هناك حقيقة قائمة ولا غبار عليها وهي أن بعض الكتب الدينية (وليس جميعها) المعدّة لتدريس التلاميذ، لا تساعدهم على تعلّم العلوم التي يستفيدون منها في الحياة ويفيدون بها الإنسانية، بقدر ما تقولبهم، وتؤثر على طريقة تفكيرهم وتصرفهم تجاه الآخر، ولعل أكثر ما يتعلمونه منها هو التعصب الفكري والعنصري.

وقد أصبحنا نسمع اليوم تفسيرات للسنة والقرآن تفوق المأساة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية في جميع المجالات، وكل ذلك بسبب اجتهادات رجال الدين والدعاة في غير علمهم، وتآمر الكثيرين منهم من أجل خدمة أجندات وأغراض دنيئة.

لا أريد هنا التذكير بكلمات توماس لورانس الشهير بلورانس العرب التي قال فيها “لا تحاول أن تفعل الكثير بيديك فالأفضل أن يقوم العرب بأنفسهم بالأمر”، ولعله محق إلى حد ما في ذلك، فما يعيشه العرب من حروب وصراعات هم في الحقيقة مسؤولون عنها بالدرجة الأولى، لأنهم يختارون أقصر طريق للعنف بدل الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتحاور، ويعارضون الرأي المخالف حتى وإن كان يخدم المصالح العامة للمجتمع، ويناصرون المطامح الفردية، ولكني أريد أيضا تذكير رجال الدين المتشددين والمدعين في الدين معرفة، بأن لعبتهم أصبحت مكشوفة، وأن الكتاب المدرسي ليس مكانا لممارسة شعائرهم الإرهابية، وبأن الروح الوطنية المشتركة للشعوب لم تمت، وهي أشرف من غوغائهم، ومن فردوسهم الذي من أجله يقتل الطفل ويذبح.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر