الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

عام مهرجانات وجوائز وذبول شعري

  • يبقى الشعر أعرق الفنون والآداب، ومنبت اللغة الأول حيث فيه تغير من نفسها وتتجمل وتتجدد في كل مرة، ولا أدل على ذلك من بدايات أغلب الكتاب الشعرية، حيث غالبا ما يبدأ الكتاب شعراء في بداية مسيراتهم قبل أن يتحولوا إلى نمط كتابي آخر، علاوة على ذلك مازال الشعر حيا قادرا على مواكبة عصره كما كان يفعل منذ القدم، رغم ما يتعرض له من تضييق يكبر من يوم إلى آخر.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/12/29، العدد: 10498، ص(15)]

جماعة ميليشيا الثقافة العراقية صورة عميقة عن واقع دموي

مهرجانات شعر على قياس أصحابها، جوائز لا تضيف جديدا، دواوين وأسماء تتزاحم في مشهد سنوي يعيد تجديد فوضاه وهامشية حضوره، وكتابات على هامش الهامش تذهب في مديح أصحاب هذه الكتابة، كأنها تختبر بلاغتها وليس بلاغة النص. هكذا هي حال الشعر في هذا العام وقد ازداد المشهد اختلاطا عجيبا وهوسا بالذات على حساب القيمة الإبداعية، تحت تأثير إغراءات اللقب، بعيدا عن قيمة التجربة جماليا وفكريا، الأمر الذي جعل سباق الأسماء والحضور يتجاوز هذه القيمة إلى توظيف العلاقات العامة والمصالح المتبادلة والترويج، حتى أصبحت المسألة هي لعبة أسماء وترويج اختلط فيها الحابل الفيسبوكي بنابل العلاقات العامة مشفوعة أحيانا بغواية الأنوثة الطارئة.

الضحية الأولى

لا جديد إذا في هذا العام لا احتفال بولادة شاعر أو شاعرة يكسر رتابة المشهد، أو ديوان شعر ينهض بالشعر الراهن من كبوته. ولا مجال وسط هذه الضوضاء والفوضى والرداءة، لكي تأخذ الأعمال المميزة ما تستحقه من حضور واحتفاء. شاعر بحجم صلاح فائق لا يدعى لمهرجانات الشعر كما يدعى أشباه الشعراء على الأقل، ولذلك يبدو مذهولا أمام فجاجة المشهد وغرابته، وكأن الشعر أصبح غريبا في بيته.

هل ثمة علاقة بين ما يحدث على أرض الشعر وما يعيشه الواقع العربي من انهيار وفساد سياسيا وثقافيا واقتصاديا وأخلاقيا؟ نعم هذا هو السؤال الذي يجب ألا يسأل بعد أن أصبحت الثقافة العربية محاصرة بين قيم الاستهلاك وسطوة الاستبداد، وسقطت كل اليقينيات أمام تغول سلطة هذه القيم على الحياة العربية البائسة.

الشعر من أعرق الفنون

الضحية الأولى في هذا الدرك هي اللغة وجماليات الكتابة، بعد أن كان الشاعر حجة في قواعدها وعبقرا في استيلادها وإعادة بنائها على نحو أعلى وأجمل. لذلك يتواصل نزوح الشاعر نحو الضفة الثانية من الكتابة، حيث الرواية بعد أن أصبحت دور النشر تطبع العشرات من الروايات مقابل ديوان واحد على نفقة صاحبه، وبعد أن تركت الكتابة عن الشعر لكتاب العلاقات العامة على الصفحات الثقافية التي تنشر بالمجان وعلى ذمة أصحابها.

فما هي هذه الأجزاء المبعثرة لمشهد عام من الشعر تزاحمت فيه الأسماء وغاب الشعر؟

حتى الآن لم تستطع مهرجانات الشعر وجوائزه أن تتخلص من طابعها الإعلامي والسياحي وتتحول إلى تظاهرات تعكس واقع التجربة الشعرية العربية بأصواتها وأجيالها المختلفة، بعيدا عن التوظيف الإعلامي والسياسي. الكثير من هذه المهرجانات تتحكم في عملية انتقاء المشاركين فيها الاعتبارات الشخصية والمصلحية، ولولا بعض الأخبار التي قد تنشر عنها لما كان أحد عرف عنها شيئا. والسؤال الذي يطرح هنا ما الغاية إذا من هذه المهرجانات، أو ما الذي يمكن أن تحققه للشعر من إضافات جديدة، تغني التجربة وتعيد للشعر مكانته عند القارئ؟

لقد تحولت الجوائز على قلتها وضعفها مثالا آخر على غياب الاهتمام بالشعر، وعزوف المؤسسات الثقافية عن تكريم تجاربه المميزة، بعد أن كان الشعر يحظى بموقع الصدارة والتكريم في الحياة الثقافية العربية.

ومن جهة ثانية، مازالت الأسماء الشعرية المكرسة في الحياة الثقافية تسيطر على مهرجانات الشعر وتحديد توجهاتها، ولعل ما حدث في ملتقى القاهرة الدولي للشعر من لغط واعتذارات خير مثال على استمرار هذا الواقع، الذي تسعى مثل هذه المهرجانات إلى تطبيعه في ظل غياب مناخ الحريات، وهو ما استدعى من بعض المشاركين تقديم اعتذاراتهم عن المشاركة.

شهد هذا العام مجموعة من المهرجانات حملت في أغلبها صفة الدولي أو العربي منها الملتقى الدولي للشعر في القاهرة، وشاركت فيه مجموعة من الشعراء العرب والمصريين، ومهرجان الشعر الدولي في مدينة سيدي بوسعيد بتونس استمر لمدة ثلاثة أيام، وشارك فيه شعراء عرب وأجانب من دول مختلفة.

وكان ملتقى القاهرة الأول لمبادرة الشعراء العرب قد أقيم في القاهرة في شهر مايو وكان أغلب المشاركين فيه شعراء من الكويت والسعودية وقطر.

أما على صعيد الجوائز، فقد فاز الشاعر الفلسطيني غسان زقطان بجائزة غريفن للشعر العالمي في كندا. كما فاز الشاعر زقطان أيضا بجائزة محمود درويش السنوية. وفي مهرجان عكاظ بالسعودية فاز الشاعر الأردني محمد محمود العزام بجائزة شاعر عكاظ، في حين فاز الشاعر السعودي خليف بن غالب الشمري بجائزة شاعر شباب عكاظ.

الشعر قادر على مواكبة عصره

وفي مبادرة جديدة، أعلن أتيليه العرب للثقافة والفنون بالقاهرة عن جائزة جديدة للشعر العربي حملت اسم الشاعر المصري الراحل محمد عفيفي مطر.

فيما فاز الشاعر المغربي محمد بنطلحة بجائزة الأركانة التي يرعاها بيت الشعر في المغرب. كما تم الإعلان عن الدورة الثانية لجائزة أثير للشعر العربي.

إصدارات شعرية

تميز حصاد الشعر هذا بكثافة واضحة في أعداد الإصدارات الشعرية، وكان واضحا ظهور دور نشر ورقية وإلكترونية عديدة في المغترب الأوروبي، تتولى مهمة طباعة ونشر الأعمال الشعرية لشعراء عرب يعيشون في المنافي الأوروبية والأميركية، ما أتاح للكثير من الأعمال الجديدة أن ترى النور في ظل تراجع اهتمام دور النشر العربية بنشر الكتب الشعرية بسبب ضعف الإقبال على شرائها.

وتميزت دار المتوسط بميلانو-إيطاليا عن باقي دور النشر العربية بنشر الأعمال الشعرية للشعراء العرب، في حين غاب باب الشعر عن العديد من إصدارات دور النشر الأخرى، في الوقت الذي تطبع فيه هذه الدور العشرات من الأعمال الروائية، ما يدل على ضعف الإقبال على قراءة الشعر من قبل القارئ العربي.

ومن الأعمال التي صدرت هذا العام، نذكر ديوان الشاعر العراقي صلاح فائق عن دار مخطوطات بهولندا والكتاب الأول من الأعمال الشعرية للشاعر عن دار صافي في واشنطن.

وديوان “الساهرات أصبحن خارج البيت” للشاعرة الفلسطينية زهيرة زقطان عن الدار الأهلية بالأردن-عمان.

وعلى هامش ملتقى القاهرة الدولي للشعر، صدرت للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين طبعة جديدة من أعماله الشعرية “الشوكة البنفسجية” و”أميرال الطيور” و”منازل النرد”، عن قصور الثقافة بالقاهرة.

كذلك صدر ديوان “لمن العالم وسير مشبوهة أخرى” للشاعر السوري منذر المصري عن دار نينوى بدمشق، و”شقائق نعمان الحيرة” للشاعر الأردني أمجد ناصر، و”حفرت التوراة في عيني” للشاعرة العراقية أمل الجبوري عن دار الساقي بيروت.

ومن حصيلة هذه السنة من المجاميع الشعرية، نذكر أيضا “شال شامي” للشاعر العراقي هاشم شفيق عن دار المتوسط، و”حديقة الستين” للشاعر اللبناني جودت فخرالدين، و”التي سكنت البيت قبلي” للشاعرة السورية رشا عمران عن دار المتوسط أيضا، إضافة إلى “الغريق” للشاعر السوري أكرم قطريب المقيم في الولايات المتحدة عن دار مخطوطات، وديوان “نزهة بحزام ناسف” للشاعر العراقي كاظم خنجر عن دار مخطوطات بهولندا، و”سأتذكر أني كلب وأعضك أيها العالم” للشاعر العراقي علي ذرب، وغيرها من الإصدارات التي وشحت هذا العام بألوان شعرية مختلفة.

ضعف حضور المرأة على مستوى الإبداع الشعري

ظواهر شعرية ورحيل

الظاهرة الشعرية الأولى التي لفتت الانتباه إليها بقوة كان ظهور مجموعة ميليشيا الثقافة العراقية التي تضم مجموعة من الشعراء العراقيين الشباب. أهمية هذه المجموعة أنها تمتلك رؤية مشتركة كسرت النمط السائد في الشعرية العربية، وسعت إلى امتلاك لغة مغايرة وبلاغة جديدة صادمة وقاسية عن واقع الموت والخراب الذي يكثف مشهد الحياة في وطن الأشلاء والغرائز المنفلتة والقبور المفتوحة.

الظاهرة الثانية التي تكرر نفسها كل عام هي ضعف حضور المرأة على مستوى الإبداع الشعري، وغياب بعض الأصوات الأنثوية المعروفة، أو انتقالها إلى مجال الكتابة الروائية بعد أن فقد الشعر حضوره لصالح الأخيرة. لقد ترافق هذا التراجع في حضور المرأة شعريا مع غياب الإضافات المهمة التي استطاعت بعض التجارب الأنثوية أن تحققها في السنوات الماضية، في حين أن الأصوات الجديدة لم تستطع أن تملأ هذا الفراغ الذي خلفه هذا الغياب.

وعلى خلاف السنة الماضية، لم تشهد الساحة الشعرية سوى رحيل واحد لشاعر كان يمثل ظاهرة خاصة في الشعر التونسي من حيث الجرأة والصدق في مواجهة واقع التردي السياسي والحضاري الذي نعيشه وهو الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، الذي صدرت له قبل رحيله مجموعة من الأعمال الشعرية بلغت 6 دواوين، قدمته كصاحب لغة شعرية خاصة فرضت حضورها في المشهد الشعري التونسي والعربي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر