الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الشعوب العربية ونوع الصنف

لا يعرف أحدٌ حتى اليوم أيهما الفانتازي أكثر عقول السلطات والواقع الذي خلقوه في العالم العربي، أم خيال الكتّاب وشكل عيش البسطاء!

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/12/04، العدد: 9399، ص(24)]

روى لي المنتج والسيناريست المصري القدير فاروق صبري، صاحب أكثر الأعمال السينمائية والمسرحية المصرية جدلا خلال السبيعينات وما بعدها، وكاتب ومنتج مسرحية "الزعيم" لعادل إمام التي سخرت من صورة القائد الملهم، حكاية فيلمه "إحنا بتوع الأتوبيس" الذي كان علامة فارقة في مرحلة ما بعد عبدالناصر في مصر، قال صبري: "كان الفيلم قصة قصيرة من عشرة سطور كتبها جلال الحمامصي تحت عنوان "حوار خلف الأسوار" تدور أحداثها قبل هزيمة 1967 وتتحدث عن خناقة بسيطة وقعت في حافلة للركاب، بين المواطن جابر وجاره مرزوق وبين محصل الأتوبيس تسببت في اعتقالهما وإيداعهما في قسم الشرطة، فظنّت الأخيرة أنهما ينتميان إلى جماعات سياسية معارضة، فتم ترحيلهما إلى معتقل سياسي، وهناك لم يصدّق الضباط والمحققون نداءات السجينين التي كرّرت قولهما "يا جماعة إحنا بتوع الأتوبيس" وليس لنا علاقة بالسياسة ولا بالمعارضة، وقد أدى الدورين الفنان الكوميدي العملاق عبدالمنعم مدبولي ومعه الشاب عادل إمام في ذلك الوقت".

تابع صبري "حتى أضمن أن يوافقوا على الفيلم 'جبتلو أربع وزرا' كي يشاهدوه، ولكن أيا منهم لم يتمكن من التوصل إلى قرار بالسماح بعرض الفيلم، مما اضطره إلى الاتصال بمدير مكتب الرئيس السادات طالبا مساعدته في ذلك، ووعده الرجل خيرا، ثم تم نسيان القصة، حتى اتصل به ذات يوم متحدثا بصيغة رسمية فقال: مرحبا فاروق بيه…كيف حالك؟" فاستغرب صبري تلك اللغة، وقال "عادة كان يقول لي إزيك يا روقة؟" وشعرت أنه يتحدث وكأن هناك من يجلس إلى جانبه، ثم تابع سكرتير السادات حديثه: "السيد الرئيس شاهد الفيلم ويريد التحدث إليك الآن" يقول صبري: "قلبي وقع بين رجليّ وكدت أموت من الرعب، حين سمعت صوت قهقهة السادات على الهاتف، ثم سألني إيه رأيك يا فاروق؟ حنعمل فيك إيه؟" أجابه صبري بدهاء المصريين:"والله يا سيادة الرئيس مش عارف..إنتو بتضحكوا قوي كده لما بتقرروا إعدام مواطن؟!" فضحك السادت وقال له "أنا سأسمح لك بعرض الفيلم، بس عايز أسألك سؤال ولازم تجاوبني عليه بصراحة…" قال صبري: "تفضل يا ريس" فقال السادات: "عاوز أعرف يا فاروق إيه نوع الصنف اللي كنت بتاخدو لما كتبت الفيلم ده؟!" وتابع السادات في قهقهته… وقد تضمن الفيلم أكثر من عشرين مشهدا من مشاهد التعذيب في المعتقلات صوّرت حكم جمال عبدالناصر للمصريين حين تم اضطهاد الناس دون تفريق بين يمين أو يسار.

سمح السادات بعرض الفيلم، مؤمنا أن أفكارا كهذه لا يمكن أن تخطر على بال الشعب إلا إذا كان متكيّفا مخدّرا يجنح خياله إلى الإبداع في تصوير الواقع بطريقة فانتازية، ولا يعرف أحدٌ حتى اليوم أيهما الفانتازي أكثر عقول السلطات والواقع الذي خلقوه في العالم العربي، أم خيال الكتّاب وشكل عيش البسطاء!.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر