الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

زخارف شركسية على جدار

كان عاماً صعباً على البشرية، لكنها عرفت فيه أمورا جديدة لم تكن تعرفها. زاد يقين الناس أن الخلاص لا بد أن يكون فردياً أولاً، قبل خلاص المجتمعات.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/12/30، العدد: 10499، ص(24)]

وضع الكاتب يده على جبينه، مفكراً في ما جرى له خلال الأيام الماضية. صحيح أن الوقت وقت أعياد، لكن أوقاته كانت أوقاتاً صعبة. فقد اتصل به مخرج سينمائي صديق. وقال إنه سعيد بالاطلاع على أحد كتبه، ولكن لديه عتب بسيط. سأله الكاتب على الفور ما هو؟ قال إنك ذكرت في إحدى القصص فتاة في العشرين تدّعي أن جدها أحد أمراء المماليك. وأنه كان قد دفن في أحد المساجد القديمة المزخرفة التي اندثرت اليوم. وأنها تتباهى بذلك.

تبسّم صاحبنا الكاتب لدقة المخرج في سرد التفاصيل، وظنّ أنه سيقوم بتحويل القصة إلى فيلم سينمائي. فمن الواضح أنه كان معجباً بتلك الفتاة في القصة وبشعرها الطويل. غير أن صاحب الروائع تابع حديثه: ولكن يا أخي، هل تعلم أن ذلك الأمير كان جدّي لأمي. عاش قبل أكثر من ستمئة سنة؟ فأسقط في يد الكاتب، ولم يعد يعرف كيف يعبّر عن مشاعره.

أخذ السينمائي المخضرم يطالب الكاتب برد اعتبار، وإعادة المعنى الشرفي للمماليك وعهدهم الزاهر فهم من رد عدوان المغول، وأن أفضال الظاهر بيبرس لا تزال تغرق العرب حتى هذه اللحظة. وأن العرب من دون الشراكسة لا شيء. ولم يبق سوى أن يغلق السماعة في وجهه مدعّما ذلك بشتيمة.

بعد يومين كان الكاتب يمشي في طريق الليل، يلاحق عبير زهرة لا تفوح إلا في المساء، فقابله جاره الذي تبسم وقال: أما الدلّة الذي تحدثت عنه في قصتك، فهو نوع نادر كانت عائلتي تصنعه وكان يسمى “دلال مزعل” وعليه نقش خاص بالأسرة. وما كان يجدر بك أن تسيء إلى صناعتها بوضعها بيد هذا الحقير الذي كان يسكب القهوة فهذا يكبدنا خسائر كبيرة في سمعة العائلة.

في المكتب فتح صندوق الوارد الخاص بإيميله، فوجد رسالة عتب من أحد زعماء العصابات الغجرية. كتب له “فضحتنا، حين تحدثتَ عن شح في الغجريات في أحزمة الفقر التي باتت تلتف على قلب المدينة وليس على خواصرها”، مؤكداً أنهم قد خرّجوا مطربات وفنانين وكتاباً معروفين، وذيّل رسالته بتهديد مبطّن مع لمعة خنجر تبرز من بين الكلمات.

أما بائع كشك السكائر، فقد عاتبه لأنه وصف بضائعه في الصفحة 37 من كتابه بالمنتهية الصلاحية، وشرح له بأن هذا سيتسبب له بمشكلات مع حماية المستهلك.

وحين لمح في المقهى بعض المتطرفين من الملتحين وغير الملتحين وهم ينظرون إليه متهامسين، قرر الكاتب التواري عن الأنظار، فقد أصبح عرضة لخطر الميليشيات في الشوارع وفي كل مكان.

بقي يوم واحد من هذا العام. كان عاماً صعباً على البشرية، لكنها عرفت فيه أمورا جديدة لم تكن تعرفها. زاد يقين الناس أن الخلاص لا بد أن يكون فردياً أولاً، قبل خلاص المجتمعات. فمهما كان ما تفعله الحشود، يبقى مجرد زبد دون صلابة فكر الفرد الواحد أساس كل شيء، الفرد الذي يعاتبونه على كل ما يفعل.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر