الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

ذكريات تحت سماء الفلسفة

قرأت كل ما كتب صادق في اللغة العربية، لم يغرني إلا كتاب دفاعا عن المادية والتاريخ، فلقد التهم النقد الأيديولوجي صادقا، لكن صادقا كان صادقا.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/01/03، العدد: 10501، ص(14)]

في صيف عام 1979 يلتقي أحمد برقاوي الذي يحضر الدكتوراه في سان بطرسبورغ بصادق العظم في بيت نايف بلوز، وفي عام 1980 تجمعهما الزمالة في قسم الفلسفة، ولم تمض أشهر على زمالتهما حتى تحولت إلى صداقة عميقة بكل ما تعنيه الصداقة العميقة من معاني الاعتراف المتبادل.

كان قسم الفلسفة منذ بداية الثمانينات وحتى منتصف التسعينات منصة حوار واختلاف بل وتحزب، لكن الهيمنة كانت للمولودين من رحم ديالكتيك هيغل وماركس: نايف بلوز، طيب تيزيني، صادق العظم، خضر زكريا، غانم هنا، حامد خليل، يوسف سلامة وأحمد برقاوي.

فيما كان بديع الكسم يحافظ على مكانة الأستاذ ونزعة المحافظة على الفلسفة بلا ماركس، وكان عادل العوا رئيس قسم الفلسفة البيروقراطي غير مهووس بهمّ فلسفي، وكان عبدالكريم اليافي أستاذا منعزلا عن حياة القسم. في هذا المناخ تطورت علاقة الصداقة بيني وبين صادق ببعديها الفكري والإنساني.

كان الحوار بيننا لا ينقطع حول مسائل الفلسفة والسياسة سواء في بيتينا أو في الجامعة؛ حول عالم العرب وحول الوضع السوري والفلسطيني، وحول ما كتبه وحول ما كتبته.

حين نشر صادق مقاله ذهنية التحريم، وانتقدنا بنوع من عدوانيته المعهودة في النقد، كنت أدرّس في جامعة عدن وكتبت يومها مقالة كبيرة بعنوان صادق العظم أسير الوهم، وتشاء المصادفة أن يصدر المقال ويطلع عليه قبل يوم من تناول صادق العظم طعام الغداء في بيتي.

قال لي يومها “قسوتَ عليّ في مقالك” وأجبته “وأنت بدأت بالقسوة” وضحكنا. ولم تترك هذه الواقعة أي أثر سلبي على صداقتنا أبدا أبدا، حتى اندهش الكثيرون من هذا الأمر.

في التسعينات اشتركنا معا في تأسيس أسبوع الفلسفة بالجامعة، كان حامد خليل القوة الإدارية لتنظيم الأسبوع، وكنت أنا وصادق بالاشتراك مع بعض الزملاء الذين كنّا نلتقي بهم في بيت صادق العقل الفكري في تحديد الموضوعات، واستقطبت الأسابيع يومها نخبة الفكر السورية والعربية، وكان صادق يومها قد أصبح رئيس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية المتكون من شعبتي الفلسفة وعلم الاجتماع، وكنت أنا رئيس شعبة الفلسفة، وخضر زكريا رئيس شعبة علم الاجتماع، وكان حامد خليل عميد كلية الآداب.

وتمضي السنون، فيحال صادق إلى التقاعد ويغادر دمشق إلى أميركا، ويرحل حامد خليل والعوا والكسم واليافي عن الدنيا، وغانم هنا يغادر إلى ألمانيا، وخضر زكريا إلى قطر، وغسان فينيانوس إلى فرنسا، ولم يبق في القسم من تلك العصابة الفلسفية إلا أحمد برقاوي ويوسف سلامة. وانتهى العصر الذهبي لقسم الفلسفة، وفي اليوم الأول الذي أصبحت فيه رئيس قسم الفلسفة اتصلت بصادق العظم ورجوته أن يوافق على عقد للعمل في الجامعة. وافق الرجل على أمل أن يكون ذلك بعد عودته من أميركا، لكنه لم يعد. كانت زياراته إلى دمشق ما قبل الثورة أوقات احتفال به من قبل أصدقائه ومعارفه.

آخر مرة جلست أنا وإياه على منصة واحدة كانت في معرض الكتاب بدمشق، لمناقشة كتابه “النقد الذاتي” بعد الهزيمة الذي أعادت إصداره دار عدوان، وقمت بنقد هذا النقد الذاتي بكل ما أوتيت من أسلحة.

التقيته في بيروت بعد الثورة بشهور وكنّا قد توافقنا على أن حركة التاريخ الجديد قد بدأت. عبّر لي يومها عن فرحته بمقالاتي وبخاصة مقالة الساحة والقصر، وأشاد بكتابي الأنا. ودعته على أمل اللقاء به، لكنه كان قد غادر ليحط الرحال أخيرا في برلين. لم ينقطع اتصالنا ببعض، كان آخر اتصال قبل أن يدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية في الدماغ، كان يتكلم معي بروح كلها تفاؤل، ويضحك ضحكته الطفولية، وقال متهكما على الزمن “إنها الثمانون يا أحمد”. دخل صادق المستشفى واتصلت بزوجته فأخبرتني بما كان.

قرأت كل ما كتب صادق في اللغة العربية، لم يغرني إلا كتاب دفاعا عن المادية والتاريخ، فلقد التهم النقد الأيديولوجي صادقا، لكن صادقا كان صادقا.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر