الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

تحالف مع المرض ضدها

تخلي زوجها عنها كان سببا في انتكاستها وعجزها عن مقاومة المرض الذي أصاب جسدها بالوهن وجعل الأورام تنتشر فيه، لا سيما وأن علاقتها الزوجية طويلة الأمد.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(21)]

تقدّم المرأة الكثير من التضحيات في سبيل رعاية أسرتها وإسعادها، ويصل الأمر بها أحيانا إلى حد عدم الاكتراث بصحتها، لأن لديها قناعة راسخة بأن أهم شيء في الحياة هو الزوج والأبناء، ولذلك فهي لا تدخر أي جهد أو وقت من أجل إحاطتهم بكل أسباب الراحة، وتفعل ما في وسعها حتى تمنحهم كل ما هو أفضل في الحياة.

وهذا ليس بالأمر الجديد على الأمهات والزوجات اللاتي تجعلهن طبيعتهن الفسيولوجية يعطين من دون حساب، ومن دون أن ينتظرن مقابلا، نظير عطائهن اللامتناهي.

ولكن الجانب الأسود من هذه التضحيات، هو أن الآلاف من النساء يتعرضن للكثير من الأمراض المزمنة جراء إهمالهن لصحتهن والسهر المتواصل على راحة غيرهن، وعوض أن تؤتي تضحياتهن ثمارها في الظروف النفسية والصحية الصعبة التي قد يتعرضن لها، فإن الكثيرات منهن لا يجدن للأسف أي دعم مادي ولا حتى معنوي من أقرب الناس لهن.

الزوج ربما لم يكن يملك العلاج الناجع لمرض زوجته، ولكن كل ما كانت تحتاجه منه هو القليل من العطف والحنان، وهذا ليس بالمطلب الكبير

وهذا الحال ينطبق على سيدة كانت ترقد مع أمي في أحد المستشفيات بتونس العاصمة، للأسف صدمتها لسماعها نبأ إصابتها بمرض سرطان الثدي، ربما كانت أهون عليها من صدمتها في زوجها، الذي كانت ردة فعله تجاه مرضها جاحدة، فعِوَض أن يقف إلى جانبها ويهون عليها محنتها، تحالف مع المرض ضدها، وكافأها بالهجران في الوقت الذي كانت في أمس الحاجة إلى دعمه المعنوي.

ربما لم يكن الزوج يملك العلاج الناجع لمرض زوجته، ولكن كل ما كانت تحتاجه منه هو القليل من العطف والحنان، وهذا ليس بالمطلب الكبير، ولكنه يمكن أن يقوي معنوياتها التي أضعفها المرض، ويجعلها تتشبث بالحياة، لأنها ستشعر بوجوده إلى جانبها، وأن هناك من يستحق أن تعيش لأجله، وهذا الاحساس سيعزز مناعتها بشكل كبير، وسيمنحها فرصة أفضل لمقاومة المرض والشفاء منه.

ولكن تخلي زوجها عنها كان سببا في انتكاستها وعجزها عن مقاومة المرض الذي أصاب جسدها بالوهن وجعل الأورام تنتشر فيه، لا سيما وأن علاقتها الزوجية طويلة الأمد، فثلاثون سنة من العشرة جعلت هويتها تتداخل مع هوية شريك حياتها، لدرجة أنها فقدت معنى الحياة في غيابه عنها.

نهاية أي علاقة زوجية بهذه الشاكلة ليس من السهل تقبلها، ولكن مهما كان العمر قصيرا، فإن الحياة تستحق أن تعاش، وأهم شيء يجب أن تقوم به هذه المرأة وأمثالها من النساء هو التخلص من النظرة الجامدة لذواتهن، لأن وجود الشريك أو غيابه لا يضمن البقاء على قيد الحياة، بل الكشف المبكر، والسعي للحصول على العلاج في المراحل الأولى لظهور الأورام.

حكاية هذه المريضة التي سردتها على مسامعي، ومازالت تفاصيلها المؤلمة عالقة في ذاكرتي، تكاد تختزل الهم الكبير والمشترك لأغلب مريضات سرطان الثدي في بعض البلدان العربية خاصة، فأغلبهن ينظرن إلى السرطان على أنه عار، ويخفن من ردة فعل الشريك أكثر من خوفهن من الموت نفسه، وهذا يجعل الكثيرات يخترن التكتم على مرضهن، ولا يعطين لأنفسهن الفرصة لتلقي العلاج الصحيح قبل فوات الأوان.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر