الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

عصر المفارقة

المفارقة أن من بين الأخلاقيين أولئك الذين يعملون بجهد وجهاد في هذه الحياة من أجل الحوريات وأنهار الخمور في الحياة الآخرة. وفي الوقت نفسه، أولئك الذين يرون الخيار الصحيح هو في النخبوية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(24)]

يقول فلاسفة زمننا هذا، إن التعامل مع القرن الحادي والعشرين ومعطياته، لا يمكن أن يتم دون التحلّي بقدرة كبيرة على السخرية منه ومن حوادثه. لأن النظرة الجادة، كما يروي محمد حسام الدين إسماعيل، أستاذ الإعلام الدولي والدراسات الثقافية في جامعة القاهرة، لم تعد تنفع. بعد أن “تغيرت طبيعة العلاقات بين الأفراد من جهة، وبين الفرد والنظم والمؤسسات الاجتماعية من حوله من جهة أخرى، لتصبح علاقات تثير الضحك والسخرية بقدر ما تدفع إلى التفكير والتأمل الجاد العميق”. لدرجة صار بوسعنا معها تسمية عصرنا بـ”عصر المفارقة”.

قبل فترة قصيرة ذهبت لزيارة ضريح سورين كيركغارد الذي قال مبكرا “مثلما تبتدئ الفلسفة بالشك، كذلك تبتدئ الحياة الكريمة، تلك التي نصفها بالإنسانية، بالسخرية”. كيركغارد كان قد وصف البشر بأنهم مقيدون بين نموذجين اثنين للوجود‫. النموذج ‫الجمالي‫، وهو عالم فوري لما هو هنا والآن‫. والنموذج ‫الأخلاقي‫ المتعالي، وهو العالم الأبدي‫.

المفارقة أن من بين الأخلاقيين أولئك الذين يعملون بجهد وجهاد في هذه الحياة من أجل الحوريات وأنهار الخمور في الحياة الآخرة. وفي الوقت نفسه، أولئك الذين يرون الخيار الصحيح هو في النخبوية والترفّع عن العوام، وتقرير مصيرهم من الأعلى. وهنا يتلاقى خصمان في الواقع، مثيلان في التفكير؛ الإرهابيون ومحاربو الإرهاب. المتطرفون والليبراليون. الدينيون والعلمانيون.

النموذج الجمالي مختلف ومتطور. وهو لا يعير أي اهتمام للعوالم الأخرى أو الخرافات والأوهام. بل يقوده “الحس” العالي نحو العيش أكثر من تأجيل العيش. وبما أن هذا العصر هكذا، فيتوجب علينا إذن المزيد من البحث في الآلة التي تساعد على العيش فيه؛ السخرية. وتبرز السخرية كظاهرة مُعدية تعرّي وتفضح، وتزيل القدسية وقناع الهيبة، وتسقط ورقة التوت. من هنا تنبغي إعادة الاعتبار إلى ساخرين كبار، لم نحترمهم كما ينبغي، من أمثال العراقي الكلداني نجيب الريحاني وياسر العظمة وجيم كيري وساندرا بولوك وبيلي كريستال وإيدي ميرفي وآدم ساندلر وطبعا روبن وليامز كقادة للرأي العام بدلا من نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد وبرنار هنري ليفي.

قدم أولئك الساخرون وآخرون معهم، قضايا هامة في الحياة، لكن بصورة ذكية ولا يمكن نسيانها، كما هو الحال مع النظريات وكتب الفكر وعلم الاجتماع. بل إن دورا واحدا للريحاني يعادل عشرات الآلاف من الصفحات التي تتحدث عن الفقير البائس قليل الحظ المحروم من العمل رغم علمه، كما في شخصية “الأستاذ حمام” مدرس اللغة العربية الذي مازلنا نعلم أبناءنا الأبجدية العربية على إيقاع وكلمات أغنيته تلك هو وليلى مراد، “أبجد هوّز حطّي كَلَمُنْ، شكل الأستاذ بقى منسجمٌ”.

ومادام العالم مقلوبا هكذا، فمن الطبيعي حينها أن يكون معنى كلمة “آيرون” باللاتينية، والتي تعني بالعربية سخرية، “أنا أتكلم”. ولذلك قال سورين ذات يوم “الناس عبثيون حقا. فهم لا يستغلون أبدا الحريات التي يتمتعون بها، وإنما يطالبون بتلك التي لا يتوفرون عليها. يمتلكون حرية التفكير، لكن تراهم يطالبون بحرية الكلام”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر