الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

المهنة: يقضم التفاح في شركة أبل

للأسف، الكثيرون اليوم أصبحوا على قناعة تامة بأنهم لم يحصلوا من دراستهم سوى على أوراق أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد تغني أو تسمن من جوع.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/01/13، العدد: 10511، ص(21)]

تهكم صديق ابن أختي العاطل عن العمل، فكتب في حقل المهنة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، “يقضم التفاح في شركة أبل”!

تعبيره بقدر ما هو مثير للضحك، فإنه يتعدى هدف الإضحاك وإثارة الدعابة إلى السخرية من وضعه الاجتماعي المهين، ومن واقع الحال المشترك للآلاف من خريجي الجامعات، ممن لم تسعفهم شهاداتهم في الحصول على عمل يحفظ كرامتهم.

بالأمس كان رجل الأمن يسلب الكرامة، أما اليوم فالكرامة مهدورة بلا عمل!

هذا أصدق تعبير يمكن أن أصف به الهمّ الجامع للشباب، ومعاناتهم من مسلسل “هدر الكرامة” المتواصل في أغلب البلدان العربية.

باعتقادي، سخرية الشاب التونسي العاطل عن العمل، ليست سوى زفرة من زفرات قلوب الملايين من أصحاب الشهادات العليا التي لم ترفع من شأن أصحابها، ولا بأي شكل من الأشكال، وخاصة أولئك الذين يعيشون في الحضيض بجهات الشمال الغربي، ويعاني أغلبهم من الفقر والتهميش، مما يجبر الكثيرين منهم على الهجرة غير الشرعية بحثا عن فرص للعمل يحققون بها ذواتهم بكرامة وعزة نفس.

وتبدو الأرقام أكثر سطحية في نقل المعاناة الحقيقية لحوالي 700 ألف شاب عاطل عن العمل في تونس، أغلبهم ينحدرون من جهات الشمال الغربي المغضوب عليها دون سبب من قبل القادة السياسيين الذين تعاقبوا على حكم تونس.

ماذا بقي لهؤلاء الشباب، في ظل فقدانهم لوسيلتهم الوحيدة للإبقاء على هويتهم والحفاظ على كرامتهم؟

أعتقد لا شيء، سوى جرعات يومية من مرارة في الحلق تخنقهم، وهم ينظرون إلى شهاداتهم مركونة على الرفوف أو معلقة على الجدران، وكل ما جنوه منها مجرد صفات أو تقديرات علمية، لم تغير حالهم وحال أسرهم التي ظنت أن العلم سلاح ضد الفقر، ولكن يبدو أن هذا السلاح بذخيرة خلّب لا تقتل الفقر!

إنه تناقض صارخ بين الأمل المعلق على الشهادة العلمية، وبين سوق الشغل الذي لا يجد فيه الخريجون الجامعيون وظيفة تتناسب مع اختصاصاتهم التي درسوها.

والأسوأ من هذا، أن الكثيرين يصلون إلى سن التقاعد من دون أن يفرحوا ولو بيوم عمل واحد يتوافق مع شهاداتهم التي قضوا من أجل نيلها نصف أعمارهم في الدراسة.

والعلة الكبرى ليست فيهم، بقدر ما هي في المناهج التعليمية المتخلفة، التي تعتمد في أغلبها على أسلوب التلقين والحفظ عن ظهر قلب، وتنعدم فيها المواد التي تنمّي الحس النقدي والتحليلي للطلبة.

للأسف، الكثيرون اليوم أصبحوا على قناعة تامة بأنهم لم يحصلوا من دراستهم سوى على أوراق أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد تغني أو تسمن من جوع، فأصيبوا بالخيبة والإحباط، وأصبحوا لا يفكرون سوى في الهجرة إلى العالم الآخر عبر كل الطرق، حتى وإن كانت تؤدي إلى الموت، لأنهم يشعرون أنهم ميتون بالحياة في بلدانهم.

والخوف كل الخوف من الأيادي المجهولة التي تمد إليهم حبل النجاة وتزيّن لهم الحياة في العالم الآخر، فيتمسكون بها ويتجهون نحو المجهول، وهم لا يدركون أن الثمن الذي سيدفعونه سيكون باهظا.

وفي واقع الأمر هؤلاء الشباب سيكون الكثيرون منهم فريسة للتنظيمات الإرهابية، التي لن تجد صعوبة في التأثير عليهم بسبب يأسهم وإحباطهم، وسيكون من السهل جدا إغراؤهم وتجنيدهم في صفوفها، واستغلالهم في عملياتها الإرهابية.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر