الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

قانون تهديم الجسور ساري المفعول في العراق

الجسور وضعت كأهداف للطرفين، والتحالف الدولي ضد الإرهاب قدم -عمليا- خدمة نوعية لتنظيم داعش في مهمة تهديم الجسور الرئيسية للموصل.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/01/14، العدد: 10512، ص(9)]

تقليد إقامة مؤتمر صحافي أسبوعي لرئيس وزراء المنطقة الخضراء في بغداد، حيدر العبادي، أو إلقاء كلمة أسبوعية، جرى على الأكثر بتوصية من المستشارين في زمن نوري المالكي أو من سبقه، تشبها بالمكتب الإعلامي للبيت الأبيض الأميركي كإيجاز للنشاط الرئاسي، وغالبا ما تمرّر فيه أفكار آنية مطلوبة لتقييم قضية ما داخلية أو خارجية، ليس لدينا عتب على أحد، فطبيعي أن يلتقي المسؤول الأول في العراق بالشعب من خلال الصحافيين، أو يقرأ كلمته المكتوبة على المونيتر، ودائما هناك من يسمع صوت سيده فيتبعه.

اللقاء الأخير تطرق فيه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة إلى معركة الموصل ومجرياتها وتقدمها، يقابلها يأس قوات تنظيم الدولة “الإسلامية” لإقدامها على تفجير الجسور وعرقلة انتقال القطعات العسكرية للضفة الأخرى من المدينة.

سبق لطيران التحالف الحربي أن دمّر الجسور الخمسة على دجلة في إطار منع تسلل مقاتلي التنظيم أو عجلاته المفخخة إلى الأحياء المحررة. في المحصلة الجسور وضعت كأهداف للطرفين، والتحالف قدّم -عمليا- خدمة نوعية للتنظيم في مهمة تهديم الجسور الرئيسية للموصل.

لكل جسر منها حكاية وذاكرة إعمار وإنجاز ووصل ضفتين تكالبت عليهما قوى تخادمت في ما بينها لصناعة تحليل لرئيس وزراء يتهكم فيه من داعش وخطته الفاشلة في تأخير تحرير الموصل، أي إنه يتندّر على عمل عسكري مشترك بين التحالف وداعش في عزل ضفتي الموصل.

تحدّث أيضا عن العدو الأيديولوجي الذي لا يعني له النصر أو الهزيمة شيئا، فغايته قتل أكبر عدد من الناس، ووصفه بالعقل المشوّه الذي يلجأ إلى الإرهاب كنتيجة حتمية، وهو بهذا يقصد إرهاب داعش، لكن كل دارس مبتدئ في علم النفس أو حتى متابع يدرك أنه إسقاط نفسي ليس لشخص رئيس الوزراء، ولكن لفكره وما يدور فيه من تشخيص لواقع الإرهاب وتبادل الأدوار بين كل الأطراف في الساحة العراقية.

تتولى الميليشيات الإيرانية بأدواتها العراقية الحفر عميقا بما لا يدع مجالا للهرب من تشخيص المسؤول الأول بمتابعته المباشرة وإدانته لما سماه الجريمة المنظمة التي ترتكب الانتهاكات بالترويع والخطف والسطو المسلح، ولا يحدد طبعا أنواع الإرهاب اليومي واستهدافه المواطنين في حياتهم وقوتهم بمافيات النصب والاحتيال والتصفيات الجسدية، لكنه أشار بلهجة عراقية مستترة “هم يعرفون، وبعضهم عليه جهود استخبارية ضمن جماعتهم” وكرّر كلمة جماعتهم وجماعتنا للدلالة على القيادات السياسية وميليشياتها التي تتجاوز على كل ما في كلمة حقوق الإنسان من معنى، ونصح هؤلاء المجهولين الذين “يعرفون أنفسهم” بعدم الوقوف والتفرج، وطلب منهم التعاون مع الأجهزة الأمنية.

عندما يقول العبادي ذلك، فمعناه أنه يعرفهم جيدا، نُذكِّرهُ فقط أنه رئيس وزراء وأن معظم الميليشيات انتظمت بقانون لهيئة تأتمر بأمره؛ إذا كان يعني مجموعات مسلحة من غير الحشد الشعبي، فهو يعود بنا إلى الرقم 100 ابتداء من اعترافه في العام الماضي بوجود هذا العدد من الميليشيات في العراق؛ تخلص حزبه من أساسياتها بالدمج، وكانت الفتوى الطائفية معبرا لشرعنة معظمها، لكن لديه فصائل يريد أن يوحي لنا بأنها خارج إرادة قادتها، ليضرب عصافير عدة بحفنة رمل، لا تصيب ولا تؤثر حتى في جناح بعوضة.

كتل سلاح تتقاسم ملكية وطن لا معنى فيه لمفهوم الدولة، كما هي {بسطية} مؤتمر صحافي أسبوعي لرئيس وزراء؛ كل مبيعاته يندى لها جبين الأحرار

الطعن بالظهر، لا ندري إن كان هؤلاء الغائبون يطعنونه كرئيس وزراء مطلوب إسقاطه سياسيا، وهم كما يدل المعنى بـ”الوجه” من حزبه وطائفته ومشروعه، وإلا لمَ ارتكبوا ما يسيء إلى سلطته وهي سلطتهم في الأول والآخر؟ هكذا صراع عندما يطرح في مؤتمر صحافي أسبوعي يؤكد أن الصبر على ما يجري قد نفد، وخصومه عليهم ملاحظة أن المركب الذي يضمهم واحد، والأيام على منوالهم، كما يصرح، ستؤدي إلى فضيحة، وهي متحققة لكن تغيب عنه لأنه ببساطة جزء منها بل وفي قمة إرادتها.

وفي صدد ولعه بالرقم المذكور يعود ببيان عسكري وأمني ليمجد الإمكانات الاستخبارية التي استطاعت إفشال 100 عملية إرهابية وإحباطها مقابل كل عملية تنفذ. وعلى حسابه وعلى مدى يومين أو ثلاثة أحبطوا في بغداد فقط أكثر من 500 عملية إذا افترضنا تحقق 5 عمليات إرهابية؛ سذاجة مفرطة في منطق الحساب تتعلق بالمئات من القتلى والجرحى الأبرياء، تطرح سؤالا عن صلاحية منصب قائد عام للقوات المسلحة أو حتى قائد لواء، وصولا إلى قائد فوج أو فصيل؛ المنصب الاعتباري كقائد عام إضافة إلى منصبه كرئيس وزراء يُحَمِّلهُ مسؤولية نوعية لقيادة فكر المؤسسة العسكرية وصياغة عقيدة وطنية غير مشوّهة، كما يردد، وألّا يتخلى عن قَسَمه في حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وكرامتهم.

رئيس وزراء العراق يفرط في الشعب باعترافه بأنه يعرف ويؤكد إنهم يعرفون، لا مجهولية في تشخيص الجرائم بنوعها ومكانها ومن يرتكبها؛ هل يحتاج الأمر لمؤتمر صحافي أسبوعي لعرض مظالمه وشكواه أم يحتاج لرجل قرار وطني، وهو من مبادئ القيادة، وقانون وسلطة قضاء وأجهزة تنفيذية تلاحق الإجرام والمجرمين والمخططين ومن يلوذون بهم؟

حالة هوان وضعف، ومعها مواصفات التستر على الجريمة تلاحق رئيس الوزراء، إن كان لا يدري، تهمة يعاقب عليها القانون في قضاء أيّ دولة، وإن كان يدري فالعزاء في قانون دولة الميليشيات وهيبة “جماعتهم وجماعتنا” أي دولة قانون الحشد الطائفي وقانون العشائر وقانون تنظيم السرقات، وهو ساري المفعول بالتراضي والتطنيش دون التشريع منذ اليوم الأول للاحتلال.

رئيس وزراء يستخدم عبارات مثل “كان المفروض، وكان يجب، وليس لدينا مصلحة أن نغطي على أحد” والأنكى “كلامي ليس موجها لأحد”. مَنْ هؤلاء الذين يبرئهم العبادي من تهم كل الشعب يعرف مصادرها والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية تتداولها؟ لماذا التعتيم عليها وتجاوزها في الحكومة والبرلمان والقضاء؟

في تبريره للغازات المسيلة للدموع عند فض الاعتصام في ساحة التحرير ينحاز العبادي إلى حق المواطن في المرور الذي تعيقه خيمة أمام نصب الحرية “ليس لديهم إجازة والقوي له خيمة والضعيف ليس له خيمة ويقطعون الطرق”. إنها عدالة التخييم في وقت معاناة وعذابات النازحين وفقدان أبسط مستلزمات إدامة الحياة تحت ظل دولة فض الاعتصامات بالقوة والحجة حماية المتظاهرين.

عبارات اللمز والغمز والهمز للأقوياء لا تبني دولة ولا احترام شعب لقانونها، إذا كان المسؤول الأول في الجهاز التنفيذي يتعاطى مع الخارجين عن القانون بسياسة التبليغ عن طريق شخص ثالث غير معني بأداء الواجب، ولا يملك حتى عنوانا للمرسل إليه؛ الصورة باهتة يغطيها غبار الانفلات الأمني والتراشق الدموي وسماسرة الموت والطائفية وعصابات ومنافسات الأوغاد من تجار العملة والحروب والأزمات.

الحقائق، في الفقر والجوع ومشاهد المهانة للشباب والكهول والطفولة وأمهاتنا في ساحات بغداد، وهم يتوسلون لقمة العيش، أعداد غير قليلة منهم خريجو معاهد وكليات يجتهدون أن يحافظوا على كرامة وحياة أسرهم، مع احتمال أن يحصدهم الموت في كل لحظة في شوارعنا المسبية التي تتسيدها، عن قرب أو عن بعد، الميليشيات في نظام كالمحاصصة الطائفية السياسية لكنها محاصصة من نوع آخر، تمتد من الدولة إلى الوزارات إلى الدوائر الرسمية إلى الشوارع؛ كتل سلاح تتقاسم ملكية وطن لا معنى فيه لمفهوم الدولة، كما هي “بسطية” مؤتمر صحافي أسبوعي لرئيس وزراء؛ كل مبيعاته يندى لها جبين الأحرار.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر