الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الحكومات التونسية فشلت في تحويل الثورة إلى تنمية شاملة

  • يطوي حدث ثورة 14 يناير السبت ذكراه السادسة، فيما لا تزال “الثورة” بأحداثها ومنطقها وارتداداتها وعناوينها تسجّل حضورها المتواصل في أماكن عديدة من الجغرافيا التونسية (في محافظات بنقردان وسيدي بوزيد والقصرين وغيرها) والتي لم تخرج بعد عن إطار التهميش وزاوية الحاجة الاجتماعية والاقتصادية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/01/14، العدد: 10512، ص(4)]

الديمقراطية الناشئة والانتظارات الكبيرة

تونس - تحيلنا النظرة المعمقة للثورة التونسية، من خلال رؤية بانورامية إلى العالم العربي من بعد عاصفة الربيع العربي في 2011، على تقدّم ملموس وجدي مقارنة بالتجارب العربية الأخرى.

ومن الواضح أنّ الثورة التونسية، التي اختارت منهج “الكتلة التاريخية” المستند إلى مقولة التوافق السياسي دون استئصال سياسي أو اغتيال معنوي، نجحت نسبيا في تأمين الانتقال الديمقراطي بالحد الأدنى من الدماء والدمار.

وتؤشر ثمار التجربة الديمقراطية في تونس إلى تموضع صحيح صلب مسار الديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية والثقافية، ابتداء من النجاح في سن دستور الجمهورية الثانية والمصادقة عليه في يناير 2014، وإجراء انتخابات تأسيسية في أكتوبر 2011، وانتخابات رئاسية وبرلمانية في أكتوبر ونوفمبر من العام 2014، وليس انتهاء بإنشاء هيئات دستورية تشمل المجال الانتخابي ومكافحة الفساد والانتقال الديمقراطي.

وعلى الرغم من جملة التحفظات الواردة على تركيبة البعض من الهيئات الدستورية وطريقة أدائها ومسلكية عملها، وعلى الرغم أيضا من المخاض الدستوري الثقيل والعسير لبعض الهيئات القضائية الدستورية، فإن المسار حافظ على بوصلته الصحيحة في تأمين المطالب السياسية والديمقراطية لثورة 14 يناير 2011.

وقد نجحت تونس، لا فقط في تحصيل ثمار الديمقراطية، بل والأهم في تأمين منظومة الحوار -عبر الرباعي الراعي للحوار- بين الشركاء السياسيين كفاعل اعتباري ورمزي قادر على جسر هوّة الخلافات وفتح المجال للتنازلات المشتركة من أجل الوطن.

ولئن تمكنت الثورة السياسية من تأمين الطريق لمواصلة المشوار، فإن ذات المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي نادت بها حناجر الشباب الذي ثار في شتاء 2010 و2011، لا تزال تراوح مكانها، حيث أبانت الحكومات المتعاقبة والماسكة بمقاليد السلطة التنفيذية خلال سداسية الثورة، عن فشل وقصور في تحويل “الثورة” إلى ثروة والانتفاضة إلى تنمية شاملة.

وتشهد تونس تدهورا اقتصاديا واجتماعيا حادا قوامه ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، لا سيما من فئة الشباب خرجي الجامعات، وتدهور سعر صرف الدينار في الأسواق العالمية، وتقهقر في نسب النمو المسجلة إبان الست سنوات بعد الثورة مقارنة بما كانت عليه النسب في العقد الأول من الألفية الثالثة، إضافة إلى تفشي ظاهرة التهريب والتجارة الموازية التي باتت تحوز نصف الميزانيات السنوية.

الثورة التونسية نجحت في تحقيق الاستحقاقات السياسية والحريات لكنها لم تكن منصفة مع المطالب الاجتماعية للمحتجين

ويزيد من تردي الأوضاع غلاء المعيشة واهتراء الطبقة المتوسطة على خلفية الزيادات في الضرائب، وهي مقدمات أفضت إلى احتقان اجتماعي عرفت البلاد تجلياته في الخلاف بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة على خلفية مشروع ميزانية 2017 وإعلان حكومة يوسف الشاهد عن تعليق الزيادات في الأجور وتجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية، إلا في مجالات الأمن والدفاع والصحة.

وعلى الرغم من نجاح المؤتمر الدولي للاستثمار، الذي عقد في 29 و30 نوفمبر الماضي، في استدرار 34 مليار دينار على شكل هبات وقروض ميسّرة من المنتظر أن تذهب إلى المشاريع التي أعدتها الحكومة، إلا أن “الزمن الاستثماري” يبدو أنه عاجز عن مسايرة “الزمن الثوري” المتحرك هذه الأيام في محافظات سيدي بوزيد والقصرين وبنقردان وغيرها، عبر احتجاجات وإضرابات عامة.

ولئن عبرنا من التشخيص إلى التوصيف، فإن الثورة التونسية قد نجحت في تحقيق الاستحقاقات السياسية والمدنية والحريات الخاصة والعامة، ولكنها بالمقابل لم تكن منصفة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية الملحة.

ودون سقوط في الذرائعية السياسية، التي ترجع الانتكاسة الاجتماعية الاقتصادية في تونس إلى الأطراف الرسمية أو الطرف النقابي أو كليهما، فإنه من الضروري التسليم بأن مسلكية الاستبداد في مقابل “التنمية الجزئية والمؤقتة” باتت خيارا معدوما في تونس.

كما أن منهج “الحريات” دون كرامة اجتماعية أصبح فرضية مستبعدة، ما يفرض على جميع الفاعلين البحث في الترياق الاقتصادي الناجع والناجح للمطالب الملحة.

استحقاق تلبية المطالب الاجتماعية بات اليوم أمرا عاجلا، لا يقبل ولا يرضى بالمسكنات أو الخطابات الإنشائية، ذلك أن الإرهاب يتغذى من مظاهر الفشل التنموي في الجهات.

وقد أثبتت الدراسات الميدانية وجود رابط تلازمي بين استفحال الإرهاب من جهة أولى ومسالك التهريب من جهة ثانية، وبين الفاقة كمقدمة والقابلية للانخراط في الجماعات الإرهابية والتكفيرية كنتيجة.

وتفرض هذه المؤشرات على الجهات الرسمية تغييرا راديكاليا في تمثل الفقر والحاجة والتهميش لا كوضع اقتصادي يعبّر عنه تقنيا بالأرقام والنسب الإحصائية قصرا وإنما كرهان للجماعات الإرهابية التي تغرّر بالبعض من الشباب مستعينة في ذلك بمقولات “الدولة المستقيلة” عن أداء واجباتها حيال شعبها.

وتؤشر النجاحات الأمنية الملحوظة في تعقب الخلايا الإرهابية النائمة واستباق عملياتها التخريبية وكشف مخططاتها، إلى أن تونس الثورة الديمقراطية باتت لها أنياب تحفظ الوطن والمواطن سويا من مخاطر الصوملة والأفغنة.

إلا أن الواقع، على تحسّنه، يبقى على حافة الانفجار في أي لحظة في ظل “غابة السلاح والميليشيات الإرهابية” في ليبيا، وتمركز الجماعات الإرهابية في الساحل الأفريقي المتاخمة لمنطقة المغرب العربي، ومع بقاء جيوب إرهابيين في الجبال الغربية للبلاد.

وفرضت على تونس إبان الثورة ثلاثة استحقاقات كبرى متزامنة، الاستحقاق الديمقراطي والمدني، الاستحقاق الاقتصادي واستحقاق محاربة الإرهاب، وهي ثلاثية من الواجب النجاح في كليّتها، فلا معنى لثورة ديمقراطية بلا أمن وبلا كرامة، ولا منطق أيضا لأمن دون حريات ورفاه.

كاتب من تونس

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر