الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

إعلام تطارده الفيروسات والقراصنة

الميديا اللاهثة وراء الخبر تريد التيقّن، هل مازال أولئك المارقون مجرّد نفرٌ قليل أم أنّ القصّة أعقد من ذلك وأبعد؟

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/01/17، العدد: 10515، ص(18)]

غالبا ما يكونون متواجدين في الظلمة، يرتدون قبّعات أو ما يحجب وجوههم، هم أنونيموس أشقياء مشاكسون، ثلّة من العبثيين أو من بقايا اليسار، أو ربما عاطلون ساخطون على أرباب العمل الذين سرّحوهم أو مهاجرون من دون أوراق مهددين بالترحيل. هم حِلف من القراصنة الذين ضربوا ويضربون أجهزة حاسوب ومواقع مؤسسات زادتهم ثقة في أنفسهم وفي أدوارهم أطنان من الوثائق التي سرّبها جوليان أسانج وموقع ويكيليكس الرهيب.

العالم وكأنه أمام بدعة عجيبة، يتنقّل من فصل من فيلم خيال علمي إلى آخر، وإلا كيف تحوّل أولئك المشرّدون المختبئون في الظلام والأماكن الرطبة إلى قاذفات استراتيجية للفيروسات والبرمجيات العابرة للحدود والقارات ومن الممكن أن تقلب المشهد الإعلامي والسياسي رأسا على عقب؟

الميديا اللاهثة وراء الخبر تريد التيقّن، هل مازال أولئك المارقون مجرّد نفرٌ قليل أم أنّ القصّة أعقد من ذلك وأبعد؟

لا أحد يجيب صراحة وليس عند أحد الخبر اليقين، لكن الدولة الأكثر شكوى من هذه الحالة هي الولايات المتحدة وعلى أعلى المستويات، الهلع الذي تسببت به عبر اتهام الدولة الروسية بأنها خرقت الميديا والحواسيب والخوادم وصالت وجالت كيفما شاءت، هذا لوحده صدمة كبرى.

أكثر من التقط الإشارة هي ألمانيا، حيث حشّدت الحكومة إعلامها وقادتها الأمنيين لاتخاذ أقصى درجات الحذر، بل ولا غرابة في أن يعلن رئيس الاستخبارات الداخلية الألماني أنّ على أجهزة بلاده المختصة أن تكون مستعدة لشنّ هجمات إلكترونية واسعة النطاق لكي تتمكن من صد محاولات الاختراق والقرصنة المعادية.

القراصنة اليساريون والعاطلون عن العمل الطيبون لم يعد لهم إلا وجود هامشي في معارك الكبار، وليس مستغربا أن تلك العواصف الإلكترونية من فيروسات القراصنة صارت تلقي الذعر في أوساط الميديا الاتّصالية.

هناك إمكانية الولوج إلى الخوادم، تحريف الأخبار، ضخ ما لا حصر له من الصور ذات التأثير المباشر، فضلا عن المراسلات المسرّبة، فأين المفرّ أيها الإعلام الذي تلاحقه الفيروسات والقراصنة من كل جهة؟

الإعلام هو الآخر واستباقا لكل شيء بدا صاخبا، التغطيات الصحافية في الصحافة الأميركية لا شُغل لها سوى حديث القرصنة والفيروسات القادمة بشكل خاص من روسيا والصين. الأدلّة على ذلك لا تنتهي والتنافس بين العمالقة الثلاثة صار ثيمة إعلامية، إذ لا موضوع يسبق القرصنة والفيروسات والتلاعب بنتائج الانتخابات وفي وسط ذلك إعلام فقد توازنه وبوصلته، إذ سرعان ما تنقلب المتون الإعلامية والخبرية رأسا على عقب في موجات الصراع السائدة اليوم، والسياسي الذي يكون يوما في موقع الدفاع ستجده في نقطة الهجوم لأن الأخبار المؤكدة أنّ لكلّ قراصنته المتربّصون بخصومهم للإجهاز عليهم.

الإعلام الذي يجد في مساحة الاطمئنان السياسي ما يوسّع من مساحة أدائه، كما يقول الكاتب ديفيد ليونهارد، سيجد في المقابل هلعا سياسيا وعواصف فيروسية وقراصنة على مستوى رئاسي ومع ذلك هو مطالب بقصص صحافية مفادها أن كل شيء على ما يرام وكلّ شيء تحت السيطرة.

كاتب عراقي مقيم في بروكسل

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر