الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الذائقة الشعرية العربية

الثورة الشعرية العربية التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي تقريبا والمستمرة بأشكال متعددة، تحتاج إلى وقت طويل كي تخلق الذائقة الشعرية المطابقة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/01/17، العدد: 10515، ص(14)]

قال لي أستاذ النقد الأدبي في قسم اللغة العربية – جامعة دمشق، وخريج جامعة فرنسية فِي معرض نقاش جرى بيننا حول الشعر، “إن المتنبي أعظم شاعر في تاريخ الشعر كله شرقا وغربا”. فقلت له على سبيل المناكفة ردا على هذا الحكم المطلق، “سأثبت لك بأن المتنبي ليس بشاعر أصلا”، فوقع قولي هذا منه موقع الصاعقة. ورحت أستظهر علية ما تيسر لي من أبيات المتنبي الضعيفة، كقوله مثلا “وإن مديح الناس حق وباطل ….. ومدحك حق ليس فيه كذاب”، أو كقوله “نثرتهم فوق الأحيدب نثرة …. كما نثرت فوق العروس الدراهم”.

ثم بعد ذلك استدركت وقلت له “سأثبت لك الآن بأن المتنبي شاعر عظيم” ورحت أستظهر له أيضا مما يأخذ باللب من شعر المتنبي. وما مكانة المتنبي المطلقة عند هذا البروفيسور إلا ثمرة ذائقته الشعرية التي تكونت في حقل ثقافي وتعليمي تقليدي مازال مستمراً حتى الآن.

وليس بخاف على أحد بأن الذوق الشعري العام عربيا قد تربى على قصائد كلاسيكية تبدأ من شعراء الجاهلية وتنتهي بالرصافي وشوقي. وظلت أغراض الشعر من مديح وغزل ورثاء وهجاء هي الأغراض التي شكلت الذائقة أساسا، ثم أضيف إليها لاحقا الشعر القومي الحماسي والاجتماعي.

ولقد تشكلت الذائقة الشعرية العامة غالبا في المدرسة بمراحلها الثلاث عبر تدريس مقرر اللغة العربية بما يحتويه من أدب ونحو وصرف. وأغلب القصائد والشواهد النحوية والصرفية جاءت من الشعر التقليدي.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأن الذائقة الشعرية التقليدية تمتد للمئات من السنين أدركنا عجز الشعر الحديث أو ما يسمى بشعر التفعيلة والشعر النثري أن يكوّن له ذائقة شعرية عامة لدى الجمهور العربي. بل ستجد الكثيرين ممن يكتبون الشعر على طريقة المتنبي والجواهري وممن يستسيغون السماع للقصائد التقليدية العصماء ينكرون عن الشعرية الجديدة المتحررة من قواعد القديم شعريتها، بل وإنك لواجد أغلب المدرسين والمعلمين للعربية في المدارس والجامعات لا يعترفون بأصالة الجديد، بل إن درويش، الأكثر حضورا من بين الشعراء العرب إلى جانب نزار قباني، يكاد أن يكون مجهولا من جمهوره في قصائده المتأخرة المعبرة عن الذات لأنها شذت عن طقس غنائيته وموضوعات الكفاح الفلسطيني.

ولهذا، فإن جمهور الشعر الحديث جمهور نخبوي جدا، يكاد يكون وقفا على الشعراء أنفسهم ونقاد الشعر والمشتغلين بحقل الأدب عموما، مع أن الشعر الحديث يتفوق جدا وفق معايير الشعرية على الشعر التقليدي. فأين الجواهري من السياب مثلا؟

والحق أن الثورة الشعرية العربية التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي تقريبا والمستمرة بأشكال متعددة، تحتاج إلى وقت طويل كي تخلق الذائقة الشعرية المطابقة، بل وتحتاج إلى ثقافة ووعي جديدين بالعالم، وليس من السهل على الثقافة والوعي التغير في حقبة قصيرة من الزمن.

فالثقافة التي اعتادت على سماع قصائد الحب المليئة باللوعة والفقد والشوق والدموع ووصف الحبيب حسياً لا تستطيع أن تقرأ شعر الحب بوصفة تجربة أنطولوجية خارجة عن المألوف، لا وصف فيها للمحبوب، بل هي تعبير شبه غامض عن اختلاجات النفس بلغة لا تتوسل التأثير المباشر في المتلقي متحررة من قيود بحور الفراهيدي التقليدية.

والذاكرة أحد أهم عوامل تشكيل الذائقة الشعرية، فبينما تمتلئ الذاكرة العربية الشعرية بالمئات من القصائد الكلاسيكية، فإنها تكاد تكون خالية من قصائد شعراء التفعيلة أو القصائد النثرية، لأن الذاكرة نفسها لم تعتد على هذا النمط من الشعر الوليد. وللحديث عن الذاكرة والذائقة وقت آخر.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر