الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

أنعم حضن في الكون

لماذا لا تدفعنا نحن الأبناء غريزتنا الفطرية إلى النظر بعين الاعتبار إلى قيمة الوقت الذي لا تزال فيه أمهاتنا على قيد الحياة، ونستغل هذا الوقت لنرد لهن ولو جزءا بسيطا من جميلهن علينا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/01/20، العدد: 10518، ص(21)]

كان وليم شكسبير بليغا في وصف نبـع حنان الأم ومعين حبها الذي لا ينضب بقوله “ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم”، ولكن كل ما قيل وسيقال سيظل عاجزا عن تعداد فضائل وصفات أعظم مخلوق في الكون.

كم نحن مقصرون في حق سيدة العطاء غير المحدود واللامشروط، وكم نحن جاحدون حينما ننشغل عنها، وتخوننا الذاكرة ولا نتذكر أجمل أيام عمرنا التي قضيناها في كنف رعايتها، وننسى بكل بساطة ما وهبتنا وأعطتنا من سنين عمرها.

كم ليلة حرمت فيها من حلاوة النوم لننام نحن ملء جفوننا، وكم مرة تغاضت عن أشياء اشتهتها، من أجل أن تمنحنا كل ما نريد، وكم تألمت لمرضنا وحزنت لحزننا.

وبعد أن كبرنا أكثر مراحل عمرها نشاطا وعنفوانا قد ولّت، حتى من دون أن تنتبه لأنها كانت منشغلة بتربيتنا.

كم وكم.. حقا إننا عاجزون عن تعداد ما قدمت لنا أمهاتنا في صغرنا وحتى عند كبرنا من رعاية وعطف وحنان ومن دون حساب.

ولكن لماذا بعد أن تفني الأمهات أعمارهن في خدمتنا ننساهن في غمرة مشاغلنا، ونتناسى أن جهدهن قل وساعدهن كل، وهن اليوم في أمس الحاجة إلينا؟

سأعرض قصة من واقع الحياة عن محنة أم عجوز من بلدتي تجاوزت الثمانين، ولم يخوّل لها وضعها الاجتماعي المزري، ولا ابناها سبل الراحة في السنوات المتبقية من حياتها.

والأسوأ من هذا كله، أن ابنها البكر هاجر ولا تعرف إلى أين، وانقطعت أخباره عنها منذ العشرات من السنين، وليس لها علم إن كان على قيد الحياة أو توفي، وكلّما سألها الناس عنه، يعتصر قلبها ألما، فترفع يديها إلى السماء متضرعة إلى الله أن يحفظه ويعيده إليها سالما، لتنعم برؤيته ولو للحظة قبل أن توافيها المنية.

أما ابنها الثاني فعوض أن تتّكل عليه ويعمل ويعيلها، تواكل، واستسلم للكسل متعلّلا بانسداد الأفق وعدم توفر فرص للعمل، فحبس نفسه في المنزل ولم يعد يخرج ولا يختلط بالناس، فيما بقيت العجوز المسكينة تتقوى على جسمها المتهرم وتستجمع قواها الخائرة، وتقصد يوميا الجيران أو البعض من ميسوري الحال، ممن اعتادت سابقا على العمل عندهم كمعينة منزلية، فتطلب مساعدتهم في شؤون المنزل نظير مقابل مادي.

وفي غالب الأحيان تستجدي عطفهم، لعلهم يمنحونها مساعدة مالية أو ما زاد على حاجتهم من طعام، لتطعم ابنها الذي أصرت على عدم التخلي عنه حتى آخر رمق، وأصبح كل همها هو إطعامه اليوم وعدم التفكير في من سيطعمه غدا. معاناة هذه الأم، ليست حالة نادرة في المجتمعات العربية، بل تحيلنا على قصص عديدة لم تجد من يحكي عنها، فالنساء بصفة عامة يتحملن جانبا أكبر من المعاناة الناتجة عن الفقر، لأن التحيز الاجتماعي الممارس ضدهن يهمشهن، ولا ينظر إلى حقوقهن في الشغل الذي يحفظ كرامتهن، على أنه جزء من حقوق الإنسان.

ولكن بغض النظر عن مواقف الحكومات الخالية من المشاعر، لماذا لا تدفعنا نحن الأبناء غريزتنا الفطرية إلى النظر بعين الاعتبار إلى قيمة الوقت الذي لا تزال فيه أمهاتنا على قيد الحياة، ونستغل هذا الوقت لنرد لهن ولو جزءا بسيطا من جميلهن علينا.

ربما ليس بمقدورنا إبطال آثار الشيخوخة البادية عليهن، أو عكس مسار أعمارهن، ولكن بإمكاننا على الأقل أن نكون سندا لهن في ما تبقى من حياتهن.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر