الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

السياسة الأميركية على كرسي متحرك في حفل تنصيب ترامب

أبلغ ما في صعود ونزول الأنظمة الديمقراطية، وتحديدا أميركا، أنها منحتنا حق التفكير في المطالبة بتحديث مبادئ الانتخاب، وعدم تجديد أي فترة لأي شخصية.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/01/21، العدد: 10519، ص(8)]

الرئيس الأميركي باراك أوباما تم تنصيبه لأول مرة في 20 يناير 2009، كان يوما باردا انخفضت فيه الحرارة تحت الصفر بعشر درجات. أوباما في كلمته الأخيرة نوه بمراقبته الأنواء الجوية ليوم التنصيب، لأن سوء الأحوال الطبيعية سيؤثر على بعض فقرات الحفل، لكن توقعات الطقس مطمئنة، ودرجات الحرارة ضمن معدلاتها في يوم التنصيب. ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حضر تنصيب أوباما في فترته الرئاسية الأولى على كرسي متحرك لإصابته في ظهره بسبب مشاركته في نقل حاجيات الرئيس بوش من البيت الأبيض بعد فترتين رئاسيتين أيضا، بدأتا في عامه الأول بانهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وأنهاهما بانهيار الاقتصاد العالمي وتضمنتا احتلال أفغانستان وكارثة احتلال العراق.

الرئيس بوش نتذكر جميعا زيارته الأخيرة لبغداد وكيف ودعه العراقيون بحضور رئيس وزراء العراق المحتل نوري المالكي في ذلك المؤتمر الصحافي الشهير. المالكي كان غاضبا قبل أيام لتصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري في منتدى دافوس الاقتصادي والتي اتهمه فيها بإضعاف الحكومة العراقية وتسببه في فشل صناعة مؤسسات الدولة ومنها الجيش لاعتماده على تشكيلات طائفية منقسمة على نفسها.

ردّ المالكي على كيري مستهجنا لأنه أطلق وصف الميليشيات على الحشد الشعبي، الذي تم تأسيسه وفق فتوى المرجعية الدينية، مؤكدا أن الحشد لم يتأسس بعد داعش وأن إدارة باراك أوباما هي من صنعت داعش، مضيفا أن الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب قام بتبرئة أميركا من مسؤوليتها عندما ألقى بالمسؤولية على إدارة أوباما. نوري المالكي يودع أوباما بمحاولة التنصل من جريمته التي لا تغتفر عندما استطاعت أعداد من داعش بأسلحة خفيفة وعجلات معدودة احتلال مدينة الموصل وارتكاب الانتهاكات ودحر فرق عسكرية مدربة والاستيلاء على أحدث تجهيزاتها وتقنياتها القتالية، بما كلف العراق أثمانا باهظة يدفعها إلى يومنا هذا دما ومالا لإخراج مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من الموصل أو من مدن العراق الأخرى.

المالكي بتصريحه المتهالك والمتآكل يعتقد أنه بمنأى عن المحاسبة والعقاب لتعمده، مع سبق الإصرار، تدمير الموصل والمدن المطلوبة للنظام الإيراني الطائفي، في وقت تزامن فيه رحيل أوباما من البيت الأبيض وبداية إدارة دونالد ترامب عملها بمؤشرات لصراع قادم مع إيران عنوانه تكثيف التواجد الأميركي العسكري في العراق تحديدا والمنطقة عموما، كتوازن قوى ونفوذ صريح يقابل استراحة الدب الروسي في سوريا ومرحه واسترخائه في البحر المتوسط.

المالكي يسترضي الرئيس ترامب بسذاجة معهودة تمهيدا للقفز إلى السلطة مرة ثالثة، وهو ينال رضا المرشد علي خامنئي ويعتقد أن إشاراته للإدارة الأميركية الجديدة ستوفر له بعض المقبولية رغم أن إيران منذ مدة تهيئ في العراق استعداداتها السياسية والميليشياوية لما بعد مرحلة داعش، وهي مرحلة تجاذبات لن تكون أميركا فيها طرفا مراقبا أو لطلب المشورة، لا مفاجأة إذا قلنا إنها مرحلة تشذيب أو تقليم مخالب إيران في العراق أولا، وبعدها قطع الطريق على مشروعها الإرهابي الطائفي الذي اتضحت خيوطه وتكشفت بمساعدته للإرهاب وتنميته في أرجاء واسعة من العالم.

شخصيات عراقية ودولية، ومنها أهل الموصل، من مختلف الديانات والقوميات وبمخاطبة منظمات حقوقية وإنسانية يتهيئون لرفع دعاوى منفصلة ضد من تسبب في تسليم نينوى لإرهاب داعش، يأتي ذلك مع تصاعد الغضب في الأوساط الشعبية العراقية والأممية بعد تأكيد الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حديثه مؤخرا أن العراق لم يكن يشكل تهديدا نوويا في العام 2003 وهو إحدى الذرائع الأساسية لاحتلاله؛ البرادعي أيضا سترفع ضده الدعاوى.

الدعاوى تشكل واقع ضغط لإحداث تغييرات جوهرية في العملية السياسية التي جاء بها المحتل ومزقت المجتمع العراقي إلى طوائف وقوميات متناحرة وفق نظام المحاصصة؛ الجنرال جي كارنر أول من شغل منصب حاكم أميركي في العراق وصف حكومة العراق بمجرد دمية في يد إيران، داعيا إدارة الرئيس ترامب إلى إلغاء الاتفاق النووي وفرض شروط عليها لإيقاف تدخلها وإحباط مساعيها للسيطرة على المنطقة.

قبل أيام من التنصيب استقبل دونالد ترامب حفيد مارتن لوثر كينغ زعيم الحقوق المدنية في أميركا، وفي ذلك رسالة مهمة للمجتمع الأميركي وللديمقراطيين أيضا ومنهم أوباما، لأن مارتن ومعه جون كيندي بمثابة أبطال قوميين على خطى الرئيس أبراهام لينكولن الذي قرر في العام 1862 إلغاء نظام الرق والعبودية، أي قبل 100 عام بالتمام من اغتيال مارتن لوثر كينغ في العام 1962 وهو العام الذي شهد خطابه الشهير المعروف بخطاب الحلم، كان باراك أوباما حينها في عامه الأول لأنه من مواليد 1961، وسبق ميلاده في العام 1960 إصدار قانون حق الانتخاب للسود الذي أعقب قرار منع الفصل العنصري في المدارس عام 1954. أوباما في حفل تنصيبه الأول أقيمت له مأدبة غداء تقليدية قُدّم فيها طعام كان يفضله أبراهام لينكولن وفي صحون عليها صورة لينكولن. في عيوننا نحن العراقيين لينكولن يمثل بارجة حربية شهدت على الطريقة الأميركية خطاب جورج بوش الابن الذي أعلن فيه انتهاء الأعمال الحربية واحتلال العراق.

دونالد ترامب رجل الفنادق الكبرى وملاعب الغولف الأشهر في العالم، الملياردير منتج ومقدم برامج تلفزيون الواقع ومسابقات ومنافسات الأفضل في خدمات الترويج الأمثل لسياحة الاستجمام الارستقراطي، المثير للجدل في أطروحاته الشعبوية الانتخابية، ورغم كل الاعتراضات والتظاهرات والإجراءات الأمنية وعزوف أعداد من مشاهير الفنانين عن حضور الحفل إلا أن التوقعات تميل إلى سعي ترامب في بداية إدارته إلى كسب حب الأميركيين بتوفير فرص العمل والارتقاء بالاقتصاد كخطوة أولى. انتقال السلطة من أوباما إلى ترامب ضمن السياقات يبدو طبيعيا، لكن ما جرى بعد إعلان نتائج الانتخابات وفوز مرشح الحزب الجمهوري الصادم تأكد لنا، وهي من المـرات القليلة، أنه لـولا الديمقراطية الراسخة في الدولة العميقة لكانت الأمور اتجهت إلى التمرد أو المناورة كما يحدث عادة في الدول الأقل تطورا في نظمها وتجربتها السياسية.

عراقيل كبيرة أنتجتها إدارة أوباما ألقت ظلالها ابتداء على نتائج مرشحة حزبه الديمقراطي وعلى سياسة ترامب في محاور متباينة منها ما يخص الشرق الأوسط والمأساة السورية وتداعيات احتلال العراق والحرب على الإرهاب الداعشي والإيراني، وتكفي الإشارة إلى رد الفريق الداعم لترامب في حملته الانتخابية على ما نشرته صحيفة واشنطن بوست في تقرير سري لوكالة الاستخبارات المركزية عن تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية لصالح ترامب، كانت الإجابة “هم أنفسهم الذين كانوا يقولون إن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل”.

أبلغ ما في صعود ونزول الأنظمة الديمقراطية، وتحديدا أميركا، أنها منحتنا حق التفكير في المطالبة بتحديث مبادئ الانتخاب، وعدم تجديد أي فترة لأي شخصية مهما كانت لمرة ثانية في الحكم وفي أي دولة، ولهذا المعنى إفاضة نوجزها بفرصة الأداء لمرة واحدة بحماسة واندفاع وتحقيق الوعود والإيفاء بها من دون إضاعة وقت أو مماطلة أو تلاعب بمختلف طرق التزوير إلى حد اختيار قياسات النظام الانتخابي وتسييس القضاء والظروف كما يحصل في العراق. درجة الحرارة مهما كانت باردة في يوم التنصيب فإنها لن تكون أقل برودة من فترة حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما خاصة في فترته الرئاسية الثانية، أما نائب الرئيس جو بايدن فمعقول جدا أن نراه على كرسي متحرك أو يتوكأ على عصا لأنه ينوء تحت أوزار ملفات تقسيم العراق وتمكين الفاشلين على حكمه وإبادة شعبه.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر