الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الإسلاميون ينزعون المهابة عن 'تأليف' الكتب نكاية بالنفري

  • في أحد مؤتمرات الثقافة بالقاهرة قال كاتب مصري لشاعر عربي بارز إن له أربعين كتابا، فعاجله الضيف قائلا إن لله ثلاثة كتب، فأي جبروت دفعك إلى تأليف أربعين كتابا؟ لو كان الطيب صالح شاهدا على الواقعة لاستشهد به الضيف نموذجا للاقتصاد في التأليف، ومهابة «الكتابة» تأسيا بحكمة النفري «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، أما الإفراط فيوقع صاحبه في التهلكة، وليس أقسى من النسيان وذهاب أربعين كتابا سدى، يستوي في هذا مؤلفون يعانون عدم التحقق وإسلاميون يحلو لهم نشر ما سبق مضغه، واجترار ما تم هضمه، ويرون هذا فتحا من الله لهم ونصرا مبينا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/01/21، العدد: 10519، ص(17)]

كثرة الكتب دون جدوى تؤدي إلى التلف

في «الكتابة» شيء من النزيف، والكثير من المسؤولية الأخلاقية نحو جيل لم يولد بعد، وقارئ سيرى ابن المقفع كاتبا عظيما، ولا يعنيه أن له كتابا أو كتابين، ويزيح ركاما تركه من لا يخشى «الكتابة» التي يخشع لذكرها «الكاتب»، ويشرع وهو يستطعم الحرف بجوار الحرف، ويستعذب مذاق الكلمات في لسانه، ثم يشك ويتردد كثيرا، قبل الاطمئنان إلى صيغة أخيرة.

قال لي محمد روميش إن يحيى حقي توقف أسبوعين عن الكتابة، حائرا في الكلمة التي سيقولها إسماعيل بطل رواية «قنديل أم هاشم»، بعد أن أشبعوه ضربا في المسجد. ثم كتب على لسان البطل، قليل الحيلة «أنا… أنا… أنا». كلمة واحدة لكائن موجود، صرخة مشحونة بانفعالات الأنين والهوان على النفس، واحتمالات الأذى من أهله الطيبين الخائفين على الدين.

الكتابة مسؤولية

ما فعله الطيب صالح ويحيى حقي وقليلون من هائبي «الكتابة» والنشر ليس بدعا من التأليف، سجل عبدالوهاب المسيري في سيرته «رحلتي الفكرية.. في البذور والجذور والثمر» كيف استغرق صديقه المؤرخ الأميركي كافين رايلي أغلب حياته الفكرية في كتابة «الغرب والعالم»، «وكان لا يكف عن الإضافة والتعديل ولا يجرؤ على نشره. فأخبرته: كافين، يحين وقت في حياة الإنسان، يكون الكتاب الوحيد الذي يستحق القراءة هو الكتاب الذي يؤلفه»، ونبهه المسيري إلى أن الكاتب يجب أن يتوقف عند مرحلة، وينشر كتابه، وله أن يضيف إليه في طبعات لاحقة. وتوقف رايلي ونشر كتابه الذي «حقق نجاحا كبيرا وذيوعا منقطع النظير».

ولكي يكتب أستاذ علم الاجتماع محمد حافظ دياب كتابه «السلفيون والسياسة»، قام بمسح لما يصدره السلفيون من «كتب» في عموم مصر، واكتشف أن لبعضهم أكثر من مئة «كتاب»، في طبعات قشيبة، وتباع بأسعار رمزية جدا، ورجح أن وراءها تمويلا لا يخلو من شبهات وهابية. وحين أستمع إلى الطبيب السلفي ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، أعجب أن له أكثر من 25 كتابا، تقول كل شيء ولا تقول شيئا، منها «فضل الغني الحميد»، و«جراح على طريق الدعوة»، و«لا إله إلا الله كلمة النجاة»، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، إضافة إلى ألبومات صوتية يردد فيها خطابا يليق بأن يوجه إلى كفار قريش. لا تدعوه هذه الكتب والألبومات إلى تسامح إنساني يجعل المسلم يلقي السلام على زوجته المسيحية، وإنما يأمره برهامي “بأن يبغضها على دينها مع بقائه في معاشرتها”.

برهامي نموذج لإهانة فكرة «الكتاب»، وتمثيل صادق لمن وصفهم شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني بأنهم «اقتصروا على حفظ ما قلّ لفظه، ونزر حظه، وأفنوا أعمارهم في حل ألغازه وفهم رموزه، ولم يصلوا إلى رد ما فيه إلى أصوله». ولكني فوجئت بخلط آخر لا أجد له توصيفا، وقلما يكتشفه إلا من صادفه هذان الكتابان، وقرأهما معا.

الكتابة الإبداعية والبحثية تحتاج إلى تركيز وأمانة إذ هي ليست مجرد تحبير أوراق وتكديس مؤلفات بلا جدوى

الكتابان هما «الأسرار الحقيقية لاغتيال حسن البنا» (1984) لجابر رزق، و«حسن البنا الرجل القرآني» (1985) للكاتب الأميركي روبير جاكسون وترجمة أنور الجندي.

لا أناقش الكتابين، فهما لا يستحقان، إذ يتجاهل جابر رزق التاريخ الإجرامي للتنظيم، وقد راح ضحيته أيضا أعضاء التنظيم في خلاف إخواني إخواني، وأبرزهم سيد فايز عضو ميليشيا الإخوان التي أطلق عليها البنا اسم «النظام الخاص». وقد عني «المؤلف» بتكريس مظلومية الجماعة التي صمدت أمام «كل وسائل التصفية التي لم تواجه بها أيّ جماعة من الجماعات على طول التاريخ الإسلامي، ورغم مئات الشهداء الذين علقوا على أعواد المشانق أو أزهقت أرواحهم في ساحات التعذيب»، وهو كذب صريح لا يصدقه إلا طلائع الإخوان، في تلقيهم تربية تخلو من الجدل، وإعادة النظر في هلوسات لا تصمد أمام الوقائع.

كتابان متناصان

في «الكتابين» تشابه يتجاوز مفهوم التأثر، إلى النقل الحرفي، فجابر رزق يكتب عن موقع حسن البنا بين «المجددين»، إذ «أفاد الأستاذ البنا من تجارب هؤلاء الذين سبقوه على الطريق وأخذ خير ما عندهم وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء.. ودليل ذلك أنه جمع بين وسيلتين كانتا تبدوان متعارضتين جرى على إحداهما جمال الدين الأفغاني وارتضى الأخرى الإمام محمد عبده».

ويكتب أنور الجندي ما يفترض أنه ترجمة لروبير جاكسون الذي لن يقول «الأستاذ الإمام» وإنما «الرجل»، ولن يمنح محمد عبده لقب «الإمام»، بل يكتب اسمه مجردا. أما بقية العبارة فهي طبق الأصل، وتمهد لتناص حرفي، فيقول جابر رزق «كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية، وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسليتين معا، وأن يأخذ بهما جميعا وأن يضيف إليهما». والفقرة نصا موجودة في الكتاب المنسوب إلى روبير جاكسون. ولا أتصور الكاتب الأميركي قد اطلع على كتاب جابر رزق ونقل منه، فهل نقل مؤلف «الكتاب» الأول ومترجم «الكتاب» الثاني من مصدر ثالث.

كذب صريح لا يصدقه إلا طلائع الإخوان

رويت في كتابي «سنة أولى إخوان» كيف عرفت أنور الجندي في بداية الدراسة الثانوية، ثم زرته في بيته بشارع عثمان محرم في حي الهرم في عامي الأول بجامعة القاهرة قبل أكثر من ثلاثين عاما، وقد توفي الرجل ونسي ذكره، ولم تشفع له العشرات من الكتب التي يشبه بعضها البعض الآخر، وتجد فيها الشيء وضده، فحين ينتقد «الابتذال» في بعض الأفلام المصرية يستشهد برأي لصلاح عبدالصبور، إلا أنه في موضع آخر يقول «لقد سقطت مؤامرة الشعر الحر بموت صلاح عبدالصبور».

ولا يكاد كاتب يفلت من مقصلته: يعقوب صنوع، وفرح أنطون، وجبران خليل جبران، وجرجي زيدان، وعلي عبدالرازق، وأمين الخولي، وأحمد أمين، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد حسين هيكل، وخالد محمد خالد، وعبدالرحمن بدوي، وعبدالرحمن الشرقاوي، ويوسف إدريس، وحسن حنفي، وفتحي غانم، وصلاح جاهين، وأحمد بهاء الدين، ومحمد عمارة الذي اتهمه الجندي بتفسير التاريخ «بأهواء القوميات والماركسيات المعاصرة».

في هذا «الكتاب» -الذي أهداه إليّ الجندي، ويفيد بأنه ترجمة لما كتبه جاكسون- لا يعرف القارئ متى ينتهي كلام المؤلف، ومتى يبدأ كلام المترجم الذي يفترض أن يكون مكانه الهامش لا المتن الذي يخص المؤلف الأميركي. وبعيدا عن التناص الحرفي السابق من «كتاب» جابر رزق، يبدأ جاكسون كتابه بضمير المتكلم «في فبراير سنة 1946، كنت في زيارة للقاهرة.. وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص»، وبعد خمس صفحات سيجد القارئ صيغة أخرى «ثم يتحدث جاكسون عن نشأة حسن البنا».

ربما يتاح الوقت للنظر في آثار آخرين، مثلا محمد قطب، شقيق سيد، وله كتابات غزيرة أشهرها «جاهلية القرن العشرين»، وقد وصفه سليمان فياض بأنه «مثل الصدى للصوت، والشارح للمتن، والحاشية للشرح، والهامش للنص، والذيل للفصل، كان يردد أفكار أخيه وربما تكون الفكرة فقرة، مجرد فقرة في كتاب، فتصبح تحت يده كتابا لأخ ذاب في أخيه، وقارئ انصهر في مثله الأعلى».

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر