الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

'نقطة نظام' الثورة في صراع مع الحراس والجن

الكاتب صبحي موسى يقدم في روايته جوانب من الأسباب التي دعت الجماهير للخروج إلى الشوارع والميادين مطالبة بسقوط النظام.

العرب  [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(15)]

معادلة فنية لواقع الحياة

القاهرة - “الشعب يريد إسقاط النظام”، بهذه الجملة أنهى الكاتب صبحي موسى روايته “نقطة نظام”، وفيها يقدم الكاتب جانبا من الأسباب التي دعت الجماهير للخروج إلى الشوارع والميادين مطالبة بسقوط النظام، حيث اشتد الظلم على مختلف طبقات المجتمع، وكثر الفساد وتحلل الجهاز الإداري للدولة، وهو ما سمح بوصول عصابات المخدرات والسلاح والآثار إلى قرى الريف المصري، وسيطرتها عليه تحت مظلة شبه رسمية من الجهاز الأمني، مما أدى إلى انهيار البلاد وسرعة تداعي النظام بمجرد الخروج شق عصا الطاعة في وجهه.

في هذه الرواية، الصادرة مؤخراً عن الدار المصرية اللبنانية، يطرح موسى معادلا فنيا للواقع المعيش، حيث افترض وجود قرية لا يعرفها أحد على الخارطة، يحدث بها انفجار عظيم يختفي على إثره حي الأثرياء الذين عادوا من الخليج ليبنوا بأموال النفط وثقافته بيوتا تشبه القصور والفيلات، لكن هذا الانفجار أعاد الحي إلى سابق عهده الذي تعرفه القرية وجميع أهلها، حيث كان منطقة مهجورة لا يسكنها إلا الغرباء عن القرية، تلك التي لها قوانينها الخاصة، إذ لا تستضيف الغرباء، ولا تجعلهم يطأون بأقدامهم أرضها الخضراء، لكن بعودة القادمين من الخليج وبنائهم في تلك الأرض المهجورة تضعف القوانين ويفسد النظام.

تعد فكرة النظام الهاجس الرئيس لدى صبحي موسى في هذه الرواية، فهناك النظام السياسي بقواته الأمنية التي احتلت القرية عقب حدوث الانفجار، حيث قامت بعزلها عن العالم إلى أن تعرف الحكومة مصدر السلاح الأكثر خطورة مقارنة بغيره من الأسلحة، فبإمكانه أن يخفي منطقة كشارع قصر العيني بما فيه مجلس الوزراء ووزارة الداخلية ومجلس الشعب ومجلس الشورى.

وحين وصل الخبر إلى رأس النظام السابق اتصل برئيس وزرائه قائلا إن بلدا اختفى فيما هو لا يعرف شيئا عن الأمر، فأخذت الرتب تتدحرج على سلالم الوزارة مستقلة العربات الكبيرة في اتجاهها إلى القرية المجهولة، وفي الطريق يرسم قائد الحملة السيناريو المحكم الذي يطمئن رأس النظام ومن بجانبه قبل أي شيء، لكن الأحداث تتعقد وتتشابك ويضطر قائد الحملة إلى البقاء في القرية لمعرفة ما جرى، فحسب قوله أن يتقاعد عن العمل ويعرف ما حدث في هذه القرية أفضل من أن يترقّى وهو لا يعرف شيئا.

موسى لعب في هذه الرواية على الفنتازيا كحل فني يمكنه من طرح ما يريده دون السقوط في محاذير التابو الديني أو السياسي

في خضم الأحداث ينشب صراع بين الحرس القديم والحرس الجديد في القاهرة، ويلقي بظلاله على القرية ومن فيها، فيضطر قائد الحملة إلى الهروب من أجل تولي منصب كبير في العاصمة، تاركا مصير القرية وأهلها في يد ضابط صغير.

لا يتوقف موسى عند تقديم النظام على هذا النحو، فثمة نظام أكبر وأعمق وأقدم اختل توازنه في القرية، وهو نظام ملوك الليل والنهار، حيث قام التوازن بين وجود عدد من المتصوفة الذين يقومون بحماية أطراف القرية من شرور السحرة والمردة من الجن، هؤلاء الذين يسعون بقدر ما يمكنهم إلى الدفع نحو نهاية العالم، كي يأتي المهدي المنتظر وفقا للخطوات التي حددوها، بدءا من الذبيح الذي قتل في ملابس عرسه، وصولا إلى الابن العائد إلى أهله فيجد نفسه فدية على أبواب المقابر، خطوات سبع حددها العرّافون حتى يجيء زمن حسان أو نهاية الزمان، لكن المتصوفة يقاومون ذلك، فيستمر توازن القوى بين الطرفين إلى أن يظهر العائدون من الخليج، فيكثر الغرباء وتسيل الدماء وتظهر الفتن، وتتواصل العلامات، ومن ثم يظهر المهدي.

لعب موسى في هذه الرواية على الفنتازيا كحل فني يمكنه من طرح ما يريده دون السقوط في محاذير التابو، سواء الديني أو السياسي، وكانت أولى خطوات الفنتازيا إيهام القارئ بأنه يريد أن يكتب رواية، لكنه لا يعرف كيف يكتب رواية عن أهله، وسرعان ما يجد القارئ أن الكاتب قد بدأ في كتابة الرواية، وأنه قد أصبح شخصية روائية، ويصبح لدينا عالمان أحدهما واقعي والآخر مكتوب، ويتداخل العالمان حتى يتماهيا في الحدود، ويصبح المتخيل هو الواقع والواقع هو المتخيل، فنجد أنفسنا في حالة من المتعة والدهشة والتوتر طيلة الوقت، حيث تتصاعد الأحداث ما بين الأهالي والعسكر، وما بين المتصوفة والسحرة، وما بين الكاتب والجميع.

يربط الكاتب كل ذلك بما يجري في القاهرة؛ يربطه بالصراع بين الحرس القديم والحرس الجديد، ورغبة الرجل الكبير في توريث نجله مقاليد البلاد، وفشل القبضة الأمنية في الكثير من المواقف والأفعال، فضلاً عما يجري من قبل الأحزاب وضعفها، وما يجري أيضا من قبل الحركات الراغبة في التغيير وصولاً إلى الانفجار العظيم، حيث خرج الجميع مرددين الشعار الأثير “الشعب يريد إسقاط النظام”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر