الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

أبوظبي وباريس تحتفيان بالشعر العربي

  • لم تتوقف وظيفة الشعر العربي في المنحى الجمالي، بل كان أكثر من ذلك أداة ثقافية ووجدانية، تجمع بين العاطفة والعقل، ولسان حال الناي والبيئة التي يعيش فيها الشاعر أو يحل فيها حتى من خلال خياله، حيث للشعر وظائفه الاجتماعية وحتى السياسية إضافة إلى وظيفته الثقافية. لذا فإن الاهتمام بالشعر اليوم، ليس مجرد اهتمام بجنس أدبي فحسب، بل اهتمام بكل ما هو ثقافي واجتماعي وحضاري لأجل الإنسان، الذي هو غاية الشعر الأولى.

العرب  [نُشر في 2017/05/20، العدد: 10638، ص(17)]

اليونسكو تحتفي بأمير الشعراء وشاعر المليون

باريس – استضافت منظمة اليونسكو الخميس ندوة بعنوان “دور الإعلام في عملية إحياء الشعر”، بتنظيم من جمعية الصحافة الأوروبية للعالم العربي، وذلك بمشاركة كل من الكاتب والمخرج فريديريك ميتران وزير الثقافة الأسبق في الجمهورية الفرنسية، وعلي بن تميم مدير عام شركة أبوظبي للإعلام والأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وعيسى سيف المزروعي نائب رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، وسلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر في اللجنة، وقد أدار الندوة الصحافي الفرنسي باسكال إيرولت.

منبر للشعراء

في بداية الندوة أشاد فريديريك ميتران بالدور الثقافي الكبير الذي تلعبه أبوظبي على مستوى العالم، وبأهمية برنامجي “شاعر المليون” و”أمير الشعراء” ودورهما التثقيفي للجيل الجديد والمساهمة في تعزيز الاهتمام بالشعر أحد عناصر التراث الثقافي للبشرية، فيما بادرت جمعية الصحافة الأوروبية ممثلة برئيسها نضال شقير بإهداء دروع تذكارية لسفير الإمارات وللمشاركين في الندوة.

كما ألقى السفير عبدالله علي مصبح النعيمي مندوب دولة الإمارات الدائم لدى منظمة اليونسكو كلمة ترحيبية بالحاضرين المُحتفين بالثقافة الإماراتية، واستشهد بعبارة الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان التي قال فيها “إنّ الهدف الأول والأخير للمعركة الحضارية هو الإنسان، والشعر أحد هذه الأسلحة لمعانيه ودلالاته وجمالياته”، ولعلّ هذه العبارة تفسّر الأهمية القصوى التي تحصدها برامج الإمارات الثقافية والفكرية التي بلورت دورها البارز في المشهد المعرفي العربي والعالمي.

تكريم لدعم الشعر

وقال علي بن تميم مدير عام شركة أبوظبي للإعلام وعضو لجنة تحكيم برنامج “أمير الشعراء”، إنّ “العلاقة بين الشعر والإعلام، لا سيما حين نتحدث عن الشعر العربي، ليست بالعلاقة الجديدة أو الطارئة، ولعلنا نتوقف هنا عند ظاهرة سوق عكاظ والمعلقات الشعرية في مرحلة ما قبل الإسلام. فالشاعر يحتاج إلى منبر يوصل من خلاله شعره، ويكون نقطة الانطلاق إلى أماكن وفضاءات أوسع، بل إنه يبدأ في اتخاذ حيزه في الذاكرة الجمعية من خلال تلك المنابر”.

يضيف بن تميم “لقد شهد القرن العشرين العديد من الشعراء الكبار الذين ينزعون إلى الجمع بين اللمعة الشعرية والخطابية، نذكر منهم الجواهري والرصافي وسعيد عقل ونزار قباني ومحمود درويش وغيرهم، ممن اشتهروا بفنهم في إلقاء الشعر وشكل أداؤهم أمام الجمهور حضوراً موازياً لنصهم الشعري المتداول عبر الدواوين الشعرية أو المجلات والصحف. لكننا في الوقت نفسه شهدنا، وللأسباب آنفة الذكر، نوعاً من الانصراف عن فن إلقاء الشعر، أي عن حضور جسد القصيدة في صوت الشاعر. رغم أنه في الغرب استمرت العلاقة بين الشاعر والجمهور حتى مع التيارات الحداثية، ورأيناها تظهر على المسرح أو في الفنون الأدائية أو في مقاطع الفيديو، إلخ”.

ويلفت بن تميم إلى أنه في هذا السياق برز على سبيل المثال برنامجا “أمير الشعراء” و”شاعر المليون” في أبوظبي عاصمة الإمارات، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن بروز هذين البرنامجين التلفزيونين جاء بالتوازي مع إطلاق الإمارات عموماً وأبوظبي خصوصاً العديد من المبادرات الثقافية والفنية سعيا إلى النهوض الحضاري والتنموي.

يتابع “بصفتي عضواً في لجنة تحكيم برنامج أمير الشعراء منذ تأسيسه قبل نحو تسع سنوات، فقد شهدت ذلك الإقبال الكبير، سواء من هواة الشعر أنفسهم أو من الجمهور، على متابعة البرنامج، إذ جاء ليملأ ثغرة كبيرة في الواقع الإعلامي العربي وليعيد الاعتبار إلى الشعر وفنون إلقائه أمام الجمهور، وعاماً بعد آخر، يزداد حضور هذا الجمهور وتتسع رقعته، كما يطور البرنامج نفسه ليصل إلى شرائح أوسع، وليقدم محتوى إعلامياً وفنياً أفضل شكلاً ومضمونا”.

الإمارات قدمت مشروعات عديدة نجحت خلال عقد من الزمان في خلق الحراك والفاعلية للمشهد الثقافي الإماراتي والعربي

صون التراث

من جهته قال عيسى سيف المزروعي نائب رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي “ونحن نلتقي بكم اليوم في باريس -الملتقى

التاريخي للثقافة والفن في العالم-، فإنّما نفتح أفقاً جديداً لبناء أخلاقيات المحبة والتفاعل الثقافي بين البشر، وبفضل ذلك بقينا منذ آلاف السنين، وبها سنبقى.. وها هي الآن أبوظبي: جسرٌ لثقافتنا وثقافتكم جميعاً”.

وأكد أنّ تأسيس أبوظبي لمشاريعها الثقافية يُجسّد مواكبة لاستراتيجيتها المستقبلية 2030، حيث تنطلق أجندة أبوظبي الثقافية من إدراك المخاطر التي تواجه الثقافة، وحفظها في عالم يتغير بسرعة هائلة تهدد الهوية التراثية للشعوب بالاضمحلال. فصون التراث الثقافي يواجه اليوم تحديات عولمة الثقافة التي تفرض نمطاً واحداً يسبب تآكل الشخصية الثقافية الوطنية.

ويلفت المزروعي إلى أن الإمارات تفتح أبوابها لتحتضن على أرضها جميع المواهب الأدبية والعلمية من مختلف أنحاء العالم، لأنّ العلم والثقافة هما المعيار الحقيقي الذي يعكس صورة أيّ أمة، وهو ما ينسجم مع “برنامج تنمية المواهب” الذي يهدف إلى اكتشاف مواهب الناشئة، وإطلاق الطاقات القادرة على المُساهمة في الإنتاج الثقافي والفني.

وأكد المزروعي أن البرامج الشعرية التي أطلقتها أبوظبي خلال 10 سنوات شهدت نجاحا منقطع النظير، وتابعها مشاهدون بالملايين من مختلف أنحاء العالم، فوصل الشعر إلى كل بيت عربي. وقد أدخلت البرامج التلفزيونية الشعر التقليدي عصر الإعلام الحديث وأعادته إلى زمنه الذهبي. فاليوم هناك 521 شاعرا (تراوحت أعمارهم ما بين 18-45 سنة) وفرت لهم أبوظبي منابر إعلامية وقدمتهم لعشاق الشعر العربي فأضحوا نجوما في سماء الإعلام، منهم 336 شاعرا من 17 دولة عربية في برنامج شاعر المليون منذ عام 2006، و 185 شاعراً من 21 دولة في برنامج أمير الشعراء منذ عام 2007.

ومن بين هؤلاء الشعراء الموهوبين 50 شاعراً مُبدعاً من دولة الإمارات (42 شاعراً إماراتياً في برنامج شاعر المليون، و8 شعراء إماراتيين في برنامج أمير الشعراء)، كانت البرامج الشعرية وسيلة اكتشافهم.

وأشار إلى أنّ هذه البرامج تمنح الفرصة لأي مُبدع للمشاركة على أساس موهبته الفردية، كما تعطي المشاهدين الحق في التصويت الأمر الذي يعني تطوراً جذرياً في التقاليد الجماهيرية العربية.

البرامج التلفزيونية الثقافية يجب أن تستمر ويتم دعمها لكونها تعمل على تأصيل ثقافتنا وموروثنا الأدبي في نفوس الناشئة

وقد رأى باحثون جامعيون أنّ هذه البرامج التلفزيونية الثقافية يجب أن تستمر ويتم دعمها لكونها تعمل على تأصيل ثقافتنا وموروثنا الأدبي في نفوس الناشئة، إذ الثقافة بمفهومها الواسع هي خير حافظ للهوية الوطنية، والتفاعل مع الثقافات الأخرى يزيدنا تمسكاً بتراثنا وصوناً له.

بدوره أكد سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر بأبوظبي، أنّ دولة الإمارات أخذت على عاتقها تنفيذ العديد من أهم المشروعات التي نجحت خلال عقد من الزمان في إعادة الحراك للمشهد الثقافي الإماراتي والعربي، وتندرج في إطار التنمية الثقافية التي تحافظ على ثقافتنا المحلية وتمنحها بُعدها العربي والدولي. وضمن هذا السياق تمّ منذ عام 2006 إطلاق برنامج شاعر المليون، وبرنامج أمير الشعراء، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، ومشروع كلمة للترجمة، وتطوير فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب.

برامج شعرية

يلفت العميمي إلى أنه تم إطلاق أكاديمية الشعر لتكون إلى جانب الشعر والشعراء، ولتعمل على تطبيق استراتيجية أبوظبي في التأسيس لبنية حاضنة للثقافة بشكل عام وللشعر بشكل خاص، مساهمةً في الارتقاء بالمنجز الشعري العربي.

وتقع إصدارات أكاديمية الشعر في إطار الكتب ذات القيمة الأدبية والثقافية والتاريخية والعلمية، منها ثمانون ديواناً في الشعر النبطي، سبعة وأربعون ديواناً فصيحاً، أربعة وعشرون إصداراً متخصصاً في دراسات الشعر بنوعيه الفصيح والنبطي منها سبعة عشر إصداراً في دراسات الشعر النبطي، ستة إصدارات نثرية في الأدب الشعبي والثقافة المحلية الإماراتية إضافة إلى إصدارين صوتيين. بلغ عدد الدواوين الشعرية لشعراء الإمارات واحداً وخمسين ديواناً منها واحد وأربعون ديواناً في الشعر النبطي.

وبلغ عدد المؤلفات التوثيقية والبحثية والنثرية عن الشعر في دولة الإمارات مئةً وثمانية إصدارات. واستقطبت الأكاديمية خمسة وثلاثين مؤلفاً ليصدروا باكورة أعمالهم من خلالها. وبلغ عدد الإصدارات التي طبعت أكثر من مرة عشرين إصداراً ووصل عدد طبعات بعضها إلى أربع طبعات.

وأكد العميمي أنّ للشعر النبطي مكانة مرموقة في الدول العربية، وفي منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، وهو اللون الأدبي الشائع إلى جانب شعر الفصحى لدى أهل المنطقة منذ القرن الرابع الهجري، وشكّل منذ ذلك الحين خير وسيلة لتوثيق الحياة البدوية الأصيلة بكل تفاصيلها وجمالياتها، مُعبراً عن اهتمامات الناس وقضاياهم ومشاعرهم. واليوم، وبعد ما يزيد عن 1000 عام على النشأة الافتراضية للشعر النبطي، يواصل هذا اللون الأدبي المميز تألقه واستقطابه للملايين من متذوقي الشعر النبطي الأصيل، وبشكل خاص بعدما أحدثه إطلاق برنامج “شاعر المليون” من تغيير جذري في المشهد الثقافي الإقليمي والعربي منذ عام 2006. بل إنّ بعض الباحثين والأكاديميين باتوا يؤرخون للشعر النبطي في مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى عمرها ألف عام، أما المرحلة الثانية فعمرها ما يُقارب العشرة أعوام فقط هي عمر مُسابقة شاعر المليون.

البرامج الشعرية التي أطلقتها أبوظبي خلال 10 سنوات شهدت نجاحا منقطع النظير، وأوصلت الشعر إلى كل بيت عربي

وقد عمل البرنامج منذ انطلاق نسخته الأولى وحتى نسخته السابعة على منح ثلاث مئة وستة وثلاثين شاعراً من سبع عشرة دولة عربية اهتماماً إعلامياً غير مسبوق، وهم الذين كانوا في غالبيتهم العظمى مُغيبين إعلامياً عن الساحة الشعرية، وذلك على الرغم من مقدرتهم الأدبية المُبدعة.

ويضيف العميمي “أما بالنسبة إلى برنامج ‘أمير الشعراء’ فقد نجح منذ عام 2007 حيث انطلق موسمه الأول، ولغاية الموسم السابع الأخير الذي انتهى في أبريل 2017، بتقديم مئة وخمسةٍ وثمانين شاعراً من إحدى وعشرين دولة”.

ويشير العميمي إلى أن هذه البرامج باتت تمثل ركيزة أساسية من ركائز الثقافة العربية عموماً، فهو ديوان العرب في كل المجالات، وتواصل دولة الإمارات جهودها المُخلصة للمحافظة عليها والاحتفاء بمنجزها العربي الحضاري، والذي يمثل الشعر أحد أصدق تجلياته ثقافياً وإبداعياً، وذلك لأن الشعر تعبير عن ذات الإنسان، وبالتالي فإن الاهتمام به من خلال جمعه وتوثيقه ودراسته ونشره يقع في المقام الأول في صلب الاهتمام بالإنسان والحفاظ على ذاكرته الوجدانية والتاريخية.

وذكرت دراسات أكاديمية أنّه لو نظرنا لهذه البرامج من الناحية الإعلامية والبُعد الاجتماعي الذي تحقق، لوجدنا أنها استطاعت أن تحظى بالانتشار الإعلامي والاهتمام الجماهيري بشكل غير عادي، وقد حققت أهدافاً تربوية نبيلة. فهذه البرامج الجيدة غرست في الجيل الجديد حب الموروث الأدبي الذي ينبع من تراث الأجداد، وأضافت لمعلوماتهم وثقافتهم ثقافة جديدة في مجال الشعر من خلال الأنماط المقدمة وبحور الشعر المختلفة التي يتناولها المتسابقون، إضافة إلى المعلومات الثرية التي تقدم من خلال التقارير التي يسردها أعضاء لجنة التحكيم.

بدوره شدّد نضال شقير، رئيس جمعية الصحافة الأوروبية للعالم العربي في باريس، على أهمية موضوع الندوة خاصة وأنها تأتي في وقت بدأ الإعلام يفقد دوره الهادف والتثقيفي في الحياة العامة، مشيراً إلى أن هذه الندوة هي فرصة لتسليط الضوء على الدور التثقيفي الهام الذي تلعبه بعض البرامج التلفزيونية الناجحة وفي مقدمتها «أمير الشعراء» و«شاعر المليون»، ومشيداً بالدور الكبير الذي تلعبه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي في هذا الإطار

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر