السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

الإعلام المصري يفتقد الرأي الآخر مع الاستحواذ على قنوات الحياة

  • تظهر ملامح تأميم الإعلام المصري بشكل غير رسمي من خلال صفقات استحواذ مقربين من الحكومة على القنوات الفضائية، وآخرها صفقة شراء شركة الأمن فالكون على شبكة قنوات الحياة التي تتمتع بشعبية واسعة في مصر.

العرب أميرة فكري [نُشر في 2017/09/14، العدد: 10751، ص(18)]

الأمن يمد نفوذه

القاهرة – يسير المشهد الإعلامي في مصر باتجاه سيطرة الصوت الواحد، وتلاشي التعددية والتنوع، مع استحواذ شركة “فالكون” للحراسات الخاصة في مصر على فضائية الحياة (خاصة)، في أضخم صفقة يشهدها الإعلام، بلغت مليارا و400 مليون جنيه (نحو 80 مليون دولار).

وكشفت مجموعة “تواصل”، أحد فروع شركة "فالكون" للأمن، التي يرأس مجلس إدارتها شريف خالد، الوكيل الأسبق لجهاز المخابرات الحربية، عن استحواذها على جميع أصول الشبكة التلفزيونية بعد قيامه بتوقيع عقد مع شركة “سيغما” للإعلام مالكة قنوات الحياة، على العقد النهائي لعملية البيع.

ومع إتمام الصفقة لم تعد هناك سوى بضع قنوات تصارع من أجل البقاء والحفاظ على قدر من الاستقلالية.

وتأتي صفقة بيع قنوات الحياة (الحياة 1، الحياة 2، الحياة دراما)، التي كان يمتلكها رجل الأعمال ورئيس حزب الوفد الليبرالي، السيد البدوي، إثر تعرضها لخسائر مالية فادحة، تسببت في أن تقطع عنها مدينة الإنتاج الإعلامي قبل شهرين، البث المباشر، واستمر ذلك عدة أيام. وكشف السيد البدوي أن ديون المحطة تخطَّت المليار جنيه (57 مليون دولار) خلال الفترة الماضية.

وأوحى البدوي أن عملية البيع تمت بسبب تعرض المحطة لخسائر فادحة وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المادية، إلا أن الصفقة تبدو في إطار توجه شبه عام يقود إلى سيطرة بعض المقربين من الأجهزة الأمنية التابعة للدولة، على القنوات الفضائية، لأن المحطة جرى بيعها بمبلغ مالي ضخم، ولها شعبية كبيرة وتؤثر في صناعة وتوجيه الرأي العام.

ويرى متابعون أنه في ذروة الأزمة التي حدثت بين قنوات الحياة ومدينة الإنتاج الإعلامي إبان قطع البث المباشر عنها بسبب الديون، قالت إدارة المحطة، إنها تتعرض لضغوط بعينها، وإن “وقف البث لم يكن بسبب الديون”، بدليل أن بعض المحطات الأخرى، مثل “سي بي سي” و”النهار” مستمرة، مع أن ديونها أكبر بكثير، ما يعكس وجود نوايا لاستهداف قنوات الحياة بشكل خاص، وأنه كانت تتم تهيئة الأجواء لإجبار صاحبها على البيع في هدوء.

محمد شومان: الخوف الأكبر هو التمادي في إقصاء بعض الأصوات لأغراض سياسية

وتأسست شركة فالكون عام 2006، وتصاعد دورها عقب ثورة 25 يناير 2011، وتغطي محافظات مصر من خلال 14 فرعا، ويزيد عدد موظفيها عن 22 ألفاً، ومن أبرز مهامها تأمين الجامعات والشخصيات العامة والمكاتب الأممية والسفارات الأجنبية والمباريات الرياضية، خاصة الدولية، وبدأت الدخول في مجال الإعلام بعد ثورة 30 يونيو 2013، بإنشاء مجموعة تواصل للخدمات الإعلامية والإعلانية، كما أطلقت محطات إذاعية.

وجاءت صفقة بيع قنوات الحياة لشركة فالكون، بعد أيام قليلة من إعلان البرلماني سعيد حساسين، مالك فضائيتي العاصمة 1 والعاصمة 2، أن الشركة ذاتها استحوذت على القناتين.

ويعتبر متابعون أن المشهد الإعلامي يسير في طريقه إلى ما يشبه التأميم، حيث ظهرت ملامحه من خلال سيطرة رجال أعمال تابعين للحكومة على عدة قنوات، واختيار مقدمي البرامج بعناية وضيوفهم، ثم تطور لتأسيس شركات تابعة لأجهزة أمنية، وجرى مؤخرا تسليم مجموعة من الأسماء القريبة من أجهزة الأمن مهام قيادية في غالبية الصحف الحكومية.

ويبرز في خارطة الإعلام المصري حاليا رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، الذي يمتلك مجموعة قنوات “أون تي في” بعد الاستحواذ عليها من الملياردير نجيب ساويرس الذي أبدت بعض البرامج التابعة لشبكته خروجا عن السياق الرسمي في بعض القضايا، واضطر إلى بيعها تحت ضغوط مادية ومعنوية.

ويمتلك أبوهشيمة الآن أكثرية أسهم صحيفتي “اليوم السابع” و”صوت الأمة”، وموقع “دوت مصر”. أما قنوات “دي إم سي”، ومحطة “راديو 9090” وقناة الناس، فيمتلكها رجل الأعمال طارق إسماعيل، المقرب أيضا من أجهزة الأمن، فيما فضائية “النهار” يمتلكها الإعلامي عمرو الكحكي، وهي من المحطات التي تدافع عن الحكومة بشدة.

وتؤكد عمليات الاستحواذ على سوق الإعلام المصري من جانب شركات أمن وشخصيات لها مصالح مشتركة مع أجهزة حكومية، أن ثمة تغييرات في المشهد الإعلامي المصري قريبا، مع قرب انتخابات الرئاسة المقبلة، وبدء الترشح في مارس 2018.

ويرى خبراء إعلام أن هذا النهج يتنافى مع شعارات الرغبة في عودة الريادة للإعلام المصري، ويتناقض مع تطويره بما يخدم مصلحة الدولة والمواطن. وقال محمد شومان، الخبير الإعلامي، “إن ما يحدث على الساحة الإعلامية بشكل عام ضد التنوع، لا سيما في ظل تطبيق سياسة الولاء وعدم الخروج عن النص، أو التطرق إلى مناقشة قضايا بعينها يثير الناس ويؤجج الغضب ضد الحكومة”، موضحا أن الخوف الأكبر هو التمادي في إقصاء بعض الأصوات لأغراض سياسية.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن احتكار الإعلام المصري من جانب مجموعة بعينها، لها توجهات خاصة، لا يخدم الكيانات الصغيرة ويعجّل بإقصائها من المشهد، والأكثر سلبية من ذلك، أن السياسة التحريرية سوف تكون متقاربة بعدم الخوض في أمور بعينها، ما يؤثر على صورة الإعلام في الخارج ويظهرها كمن يريد أن يتحدث مع نفسه.

ويرى محللون أن على الحكومة إذا كانت في حاجة إلى ظهير إعلامي يدافع عن سياساتها وتوجهاتها ويتصدى للمنابر الإعلامية المعادية، أن تفسح المجال للتنوع في الأداء الإعلامي.

من جهته اعتبر محمد رمضان، أستاذ الإذاعة والتلفزيون بالمعهد العالي للإعلام بالقاهرة، أن استمرار العمل بسياسة “كل شيء تمام”، قد يدفع الجمهور إلى البحث عن منصات إعلامية أخرى لها أجندات مناهضة للحكومة، ليجد فيها بعض الكلام عن القضايا التي تعبر عن حياته وآرائه.

وقال لـ “العرب” إن التسريع من وتيرة إبرام الصفقات الإعلامية يبرهن مدى حاجة الدولة إلى إغلاق هذا الملف الذي لطالما تسبب في صداع مزمن لها، ويمهد الطريق لإغلاق باب الحديث عن مناقشة موضوعات شائكة وحساسة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر