الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

'موتي' الوجوه الأخرى للمرأة الأقوى في العالم

أنجيلا ميركل تتميز بشخصيتها القوية لم يقف شيء أمام طموحها لتصبح أول امرأة تحصل على منصب المستشارة الألمانية القادمة من الشرق.

العرب أملود المير [نُشر في 2017/10/21، العدد: 10788، ص(12)]

'موتي' ألمانية وصلت إلى القمة يرهقها النزول أكثر من الصعود

برلين- عندما يبحث المرء في حياة شخصية سياسية مثل أنجيلا ميركل، تتبادر للذهن أول الأمر قدرتها الهائلة على التحرر من كل المعوقات التي تواجه انطلاقها نحو هدفها. قد لا تمتلك رؤية واضحة في البداية لكنها لا تظهر تشوشها، حتى يساعدها الوقت في استبيان الطريق الصحيح. ميركل “قائدة العالم الحر”، “المرأة الحديدية ” و”موتي” التي تعنى “الأم” بالألمانية، كلها ألقاب لمرأة واحدة، مما يظهر غنى هذه الشخصية وقوتها.

ما لقيصر وما لميركل

من الممكن أن تكون قد استمدت حكمتها من والدها القس كاسنر والذي كان يدعى “كاسنر الأحمر”، حيث انتقل من هامبورغ إلى منطقة تابعة إلى براندنبورغ في ألمانيا الشرقية بعد ولادة أنجيلا بأشهر، في حين كان الآلاف يفرون بالاتجاه المعاكس. كان يحاول الأب العمل على فصل الدولة عن الكنيسة وفقا لتعاليم الكتاب المقدس “ما للقيصر للقيصر وما للإله للإله”. عن هذا تقول الصحافية الألمانية جاكلين بويسين كاتبة السيرة الذاتية للمستشارة الألمانية “لقد كان والدها اشتراكيا، لكنه كان يعلم أن الكثير من الأمور خاطئة”.

حصلت الشابة الألمانية الشرقية على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية في عام 1978 كون “العلوم الطبيعية” هي المجال الوحيد الذي لا تتدخل فيه الحكومة الشيوعية في ذاك الشطر من آنذاك.

ولكن بعد سقوط جدار برلين سقط أمامها كل ما كان يمنعها من خوض العمل السياسي، ليصبح لقبها “فتاة كول” نسبة للمستشار الألماني في ذلك الوقت هيلموت كول والذي كان بمثابة الأب الروحي لها حيث شغلت منصبين في حكومته، الأول كوزيرة لشؤون المرأة والثاني وزيرة للبيئة. ولم يقف شيء أمام طموحها لتصبح أول امرأة تحصل على منصب المستشارة الألمانية القادمة من الشرق.

المشجعة الرياضية المهووسة

تعشق ميركل كرة القدم، وكثيرا ما كانت تظهر في الملعب لتشجع فريق بلادها. وفي عام 2014 أثناء المباراة النهائية لكأس العالم تمنت لو أنها أخذت دواء مهدئا لتقلل من انفعالها أثناء المباراة، حتى أنها قالت إنها لم تستطع تنفس الصعداء حتى الدقيقة 120 بالرغم من أن مايو غوتسيه قد سجل هدفه الحاسم في الدقيقة 113.

لم تحصل “موتي” على أطفال، واحتفظت بكنيتها من زوجها الأول أولريش ميركل، وعرف عنها تعدد العلاقات العاطفية، حسب تحقيقات مجلة شتيرن. وفي المرات القليلة التي تحدثت ميركل عن علاقاتها قالت “يبدو ذلك حمقا، لكني لم أتجه إلى الزواج بالدرجة الكافية من الجدية”.

المستشارة الألمانية تقول "لا يشكو زوجي مطلقا، باستثناء أنني لا أضع في طبقه سوى القليل من الطعام" ويبدو أن هذه العلاقة تناسبها لتتفرغ لمعاركها السياسية

التقت بزوجها الحالي يواكيم ساور في أروقة أكاديمية العلوم في ألمانيا الديمقراطية ببرلين بعد انفصالها مباشرة عن زوجها الأول في العام 1981. واستمرت علاقتها مع ساور سبع سنوات قبل أن تقرر الزواج منه، فقد كان متزوجا من امرأة أخرى ولديه منها طفلان.

ساور الملقب بشبح الأوبرا، قليلا ما يظهر في الإعلام ولكنه لا ينقطع عن مرافقة زوجته إلى مهرجان مدينة بايرويت الفني للأوبرا. وغالبا ما تقوم ميركل بإعداد الفطور له، وتتحدث ميركل لمجلة دي بونتي عن أسلوبها في إعداد طبقها المفضل “حساء البطاطس”، حيث تقوم بهرس البطاطس بيديها دون مضرب وتقول “هذا يساعد على أن يكون الحساء أكثر تماسكا”، كما تصنع كعكة البرقوق لزوجها على الرغم من أنها لا تفضل تناولها. بينما هي تفضل تناول “اللحم المدخن”، وتعترف أنها كأي مواطن عادي لديها نقاط ضعف “أعشق تناول الطعام في وقت متأخر من الليل”.

الطهي يساعد ميركل على الابتعاد عن السياسة وهمومها وتعقيداتها، ولذلك فهي تستغرق بزراعة البطاطس في حديقة منزلها الريفي في أكرمارك، تقول “أنا شديدة الولع بالطهي، خاصة لفائف اللحم المحشوة، وحساء البطاطس. لا يشكو زوجي مطلقا، باستثناء أنني لا أضع في طبقه سوى القليل من الطعام، والقليل من الحلوى.

وهذا أمر طبيعي فهو ابن حلواني”، ومن الواضح أن هذه العلاقة تناسبها تماما، فليس لساور متطلبات كثيرة، مما يتيح لها التفرغ لحروبها السياسية المعلنة وغير المعلنة. إذ ليس من السهل الدخول إلى حياة ميركل، كما تقول كاتبة سيرتها التي تضيف “يمكن دائما مقارنتها مع تمثال أبوالهول في الحفاظ على أسرارها”.

مع شباب ألعاب الكمبيوتر

بعد اثنتي عشرة سنة كمستشارة لم تتوان ميركل عن الظهور على اليوتيوب وحضور أكبر مؤتمر أوروبي لألعاب الكمبيوتر لتصل إلى الشريحة الأصغر سنا والتي تمثل مستقبل ألمانيا، فقبل 5 أسابيع من الانتخابات أجابت ميركل على أسئلة اجتماعية وسياسية لأربعة شباب (يوتيوبر) في بث مباشر لمدة ساعة.

كما صرحت أثناء اللقاء أن الإيموجي المفضل لديها هو الوجه المبتسم، وإن كان نهارها جيدا يكون هناك قلب أيضا، أما ليومها السيء فيكون الوجه العابس. وكانت هذه المقابلة الثانية لها عبر اليوتيوب، فقبل سنتين حصد فيديو المقابلة على اليوتيوب وحده 5 ملايين مشاهدة.

وفي برنامج تلفزيوني بعنوان “كلارتيكست فراو ميركل” اعترف لميركل أحد الحاضرين وهو لاجئ سوري الجنسية قائلا “قبل أن تعرفي اسمي، أنا أحبك”.

الدور الذي تؤديه ميركل صعب للغاية، إذ لا يمكن لأحد أن يمضي الوقت دون ارتكاب أخطاء

وأضاف أن زوجته تشاهدهما الآن، فقالت ميركل ضاحكة، إن زوجته ستتفهم ما الذي يقصده بقوله هذا. ليس من الصعب أن يلتقط الشخص تلك الروح المرحة التي ترافقها أينما ذهبت، والجدير بالذكر أن مجلة فوربس الأميركية ولخمس مرات وصفتها بأكثر النساء نفوذا على مستوى العالم.

تحاول ميركل أن تحتفظ بعلاقات جيدة مع الجميع، ولا يمكن أن يقيمها أحد إن كانت تصل إلى الصداقة، لكنها لا تتردد عن الإيحاء بذلك. وما يظهر في الإعلام أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يحظى بذلك، وهو الذي أشاد “بموقفها الشجاع” في تعاطيها مع أزمة اللاجئين، واعتبرها صديقة وواحدة من شركائه المقربين، مضيفا أنها تجسد الكثير من الخصال القيادية في قصة حياتها، من طفلة ترعرعت في ألمانيا الشرقية إلى قائدة لألمانيا الموحدة والراعية لأوروبا، وهي تلهم الناس وهو أحدهم، لكن ذلك لم يمنعها أن تستنكر وأن يثير غضبها صدور تقارير في 2013 عن أنشطة تجسس وقيام المخابرات الأميركية بالتنصت على مكالماتها الهاتفية وحدث ذلك أثناء إدارة أوباما فقالت ميركل في مؤتمر لقادة الدول الأوروبية “إن التجسس بين الأصدقاء أمر غير مقبول”.

ترامب وعقدة كلينتون

لكن هذا ليس الحال مع رئيس الولايات المتحدة الجديد دونالد ترامب والذي لم يوفر انتقاد سياسة ميركل حتى من قبل أن يتولى الرئاسة، حيث قال “كلينتون ترغب أن تكون أنجيلا ميركل الأميركية، وجميعنا يعي أن الهجرة الجماعية كانت كارثة على ألمانيا والشعب الألماني”. لم ترغب ميركل بالتعليق على هذه المقارنة، حسب ما قالته الدائرة الاتحادية للصحافة والإعلام الحكومية. وفي مقابلة تلفزيونية لها، اعترفت المستشارة مبتسمة أنها إذا أرادت الاطلاع على أهم أحداث السياسة الأميركية، تقوم فقط بكتابة دونالد ترامب على تويتر.

لم يكن ترامب وحده من ليست لديه علاقات جيدة مع ميركل، فلا يمكننا نسيان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والذي تصاعدت لغته الهجومية ضد ميركل بالرغم من محاولتها ألا تكون كذلك، إذ غالبا ما تكون المستشارة في هذه الملفات، براغماتية على حساب الوضوح الذي يرغب به الشعب الألماني.

فقد كانت نتيجة الاستفتاء الذي قامت به مؤسسة أمنيد لقياس الرأي العام بعد سؤال 500 شخص، والذي نشرته صحيفة بيلد أن 66 بالمئة من الألمان يعارضون قرارها السماح للادعاء بمتابعة قضية الإعلامي بالقناة الألمانية الثانية يان بويمرمان الذي سخر بقصيدة له من الرئيس التركي. وقال بويمرمان “لقد قامت بتقطيعي لشرائح وتقديمي إلى الطاغية المريض عصبيا”.

هذا الملف أثار موجة كبيرة من الاتهامات لميركل حول فشلها في حماية حرية التعبير. ندمت المستشارة لاحقا، مما دفعها إلى الإعلان بأن المادة المثيرة للجدل في القانون الجنائي الألماني والتي سمحت من خلالها لأردوغان بمقاضاة الإعلامي الألماني ستلغى مستقبلا، مشيرة الى مشروع قانون بهذا الشأن سيدخل حيز التنفيذ في العام 2018.

مجلة كوزموبوليتان في استطلاع لها طرحت سؤالا على مجموعة من النساء حول رغبتهن بقضاء يوم واحد مكان ميركل، فكان جواب أكثر من نصفهن "لا شكرا"

تشتهر ميركل بتكتيكاتها خطوة بخطوة، فلا ترغب بكشف خططها حتى لا تساعد المعارضين لها. يقول السياسي الألماني والمرشح السابق لمنصب عمدة برلين رائد صالح لـ”العرب” إن “ميركل هي الأفضل”، بالرغم من أنه ينتمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني المعارض لها الآن. ويستشهد صالح بتصريح لها بعد أزمة اللاجئين قالت فيه إن “الشعب الألماني هو كل من يعيش في هذه البلاد” والذي تؤكد فيه رفض كل أشكال التمييز بين أفراد الشعب.

ثقة اللاعبة الماكرة

ميريل ستريب نجمة هوليوود الشهيرة واحدة من معجبي ميركل الكثر وهي تقول عنها لمجلة بريغيته الألمانية “تعد ميركل نموذجا رائعا، تبهرني أنها تتقن مهمة قيادة ألمانيا بهذه الثقة”.

ولكن ميركل بالفعل، كما تقول ستريب، تعتمد على الثقة بنفسها وعلى التماسك في المواقف الحرجة، ولذلك فهي تقول “في السكينة تكمن القوة”، وتعترف بأن أهم سماتها “التحلي بالهدوء في أصعب المواقف”، وهو ما بدا واضحا في الفيديو الذي يعرض لقاءها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوشي الصيفي، حينما جلب بوتين كلبه الأسود الضخم، علقت ميركل على ذلك بالقول “لا أخشى الكلاب، ولكن تصيبني بالقلق، لأني تعرضت لعضتها ذات مرة. أعتقد أن الرئيس الروسي كان يعلم بذلك، ومع ذلك اصطحب كلبه معه”.

وفي استطلاع للرأي أجراه ملحق مجلة كوزموبوليتان قاموا بسؤال النساء المشاركات عن رغبتهن بقضاء يوم واحد مكان المستشارة الألمانية، فكان جواب أكثر من نصفهن “لا شكرا”، فالدور الذي تؤديه ميركل صعب للغاية. إذ لا يمكن لأحد أن يمضي الوقت دون ارتكاب أخطاء، حتى أنها في حملتها الانتخابية الأخيرة ظهرت في سجن ستاسي وأدهشت الجميع حين ابتكرت فكرة غير عادية خاطبت بها السجناء قائلة “يمكننا فقط تشكيل مستقبل جيد إذا تقبلنا الماضي”.

أما الخبيرة السيكولوجية الألمانية ماجدالينا هوبر روبل فتقول لـ”العرب” عن طبيعة شخصية المستشارة ميركل إنها شخصية قلقة، فهي “عندما أخذت قرار فتح الحدود، وقالت ‘سننجز ذلك’، كانت في لحظة استثنائية جدا وتصرفت حسب مشاعرها، لكنها الآن تعمل بشكل سياسي براغماتي محزن”. البراغماتية الحزينة هذه تسترخي بسماع الموسيقى الكلاسيكية التي تحضر حفلاتها في بايريوت. وتقول بلغة بليغة إن رياضتها المفضلة اليوم هي تسلق الجبال، ولكنها على النقيض من الجميع تضيف “يرهقني النزول أكثر من الصعود”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر